الوثيقة | مشاهدة الموضوع - دوافع إلغاء تركيا اتفاقية تصدير النفط العراقي عبر أراضيها
تغيير حجم الخط     

دوافع إلغاء تركيا اتفاقية تصدير النفط العراقي عبر أراضيها

مشاركة » الأحد أغسطس 03, 2025 2:53 am

5.jpg
 
بغداد ـ «القدس العربي»: في قرار غير متوقع، أنهى الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، اتفاقية مرور النفط العراقي عبر الأراضي التركية التي وقّعت بين البلدين منذ عام 1973.
ووفقاً للقرار الرئاسي التركي، الذي نشر في الجريدة الرسمية، 21 تموز/يوليو الماضي، فمن المقرر وقف العمل باتفاقية خط أنابيب النفط الخام بين تركيا والعراق، وجميع البروتوكولات والمذكرات الملحقة بها، ابتداءا من 27 تموز/يوليو 2026، الذي سيتزامن مع الذكرى الثانية والخمسين لإبرام اتفاق تنظيم تصدير النفط الخام من العراق إلى ميناء جيهان التركي، والذي خضع لتعديلات عدة خلال العقود الماضية، وكان آخرها في عام 2010 حين تم تمديده لمدة 15 عاماً إضافية، تنتهي في عام 2026.

مشاكل واجهت خط الأنبوب التركي

في السنوات الأخيرة واجه مشروع أنابيب نقل النفط العراقي عبر الأراضي التركية، مشاكل وخلافات عديدة عرقلت استمرار العمل به. ويُعد خط أنابيب كركوك – جيهان أحد خطوط تصدير النفط العراقي الأساسية إلى الأسواق العالمية، حيث ينقل النفط الخام من الحقول النفطية في شمال العراق، إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط. وتقدر الكمية المصدرة بنحو 450 ألف برميل يومياً من نفط إقليم كردستان، إضافة إلى نحو 75 إلى 100 ألف برميل من نفط كركوك. وهو ما يمثل أكثر من 10 في المئة من صادرات العراق النفطية، ويوفر نحو 80 في المئة من ميزانية إقليم كردستان.
وبالرغم من كون خط أنابيب نقل النفط يشكل أهمية استراتيجية بين البلدين، إلا أنه شهد العديد من التوترات والمشاكل خلال السنوات الأخيرة، على خلفية النزاعات القانونية بين حكومتي بغداد وأربيل من جهة، وبين الحكومة العراقية والتركية من جهة بسبب اتفاقيات ثنائية بين أربيل وأنقرة في استخدام الخط لتصدير نفط إقليم كردستان بدون موافقة الحكومة العراقية.
وتلقى مشروع أنبوب الخط الاستراتيجي، ضربة قوية عندما تقدم العراق بطلب للتحكيم في عام 2014 أمام غرفة التجارة الدولية ومقرها باريس، بشأن دور تركيا في تسهيل صادرات النفط من كردستان بدون موافقة الحكومة الاتحادية في بغداد. وقال العراق إنه من خلال نقل وتخزين النفط من كردستان وتحميله على ناقلات في جيهان من دون موافقة بغداد، فإن أنقرة وشركة الطاقة التركية الحكومية بوتاش، انتهكت بنود اتفاقية خط الأنابيب بين العراق وتركيا الموقعة في عام 1973.
وفي عام 2023، أمرت غرفة التجارة الدولية، أنقرة بدفع تعويضات لبغداد قدرها 1.5 مليار دولار أمريكي عن صادرات غير مصرَّح بها بين عامي 2014 و2018. إلا أن تركيا رفضت ذلك القرار وأوقفت عمليات مرور النفط العراقي عبر أراضيها منذ عام 2023، ما تسبب بخسائر كبيرة للعراق وتركيا.
وقد فشلت العديد من المحادثات بين البلدين لإعادة الحياة إلى الأنبوب النفطي، جراء الخلافات بين حكومة بغداد وحكومة إقليم كردستان من جهة، والخلاف بين بغداد وأنقرة من جهة أخرى، إضافة إلى فشل العديد من المباحثات بين حكومة بغداد والشركات الأجنبية التي تدير عملية استخراج وتصدير النفط من شمال العراق نحو تركيا. كما تعرضت خطوط الأنابيب النفطية وحقول ومصافي النفط في شمال العراق إلى عمليات تخريب وهجمات بطائرات مسيرة مرارا ما عرقل العمل فيها.
وفي أول رد من بغداد على القرار التركي، أصدرت وزارة النفط العراقية، بيانا بشأن الاتفاقيات والبروتوكولات الموقعة بين العراق وتركيا بخصوص خط أنابيب النفط الخام.
وقال مصدر مسؤول في الوزارة، بحسب الإعلام الرسمي، إن «اتفاقية الخط العراقي التركي التي تم توقيعها بين البلدين الجارين العراق وتركيا عام 1073 وتعديلها عام 2010 أشارت إلى انتهاء نفاذها في تموز/يوليو عام 2026 واشترطت في حال رغبة أي من الطرفين بانهائها أن يرسل طلبا خطيا برغبته بالإنهاء إلى الطرف الآخر قبل سنة واحدة من تاريخ انتهاء نفاذية هذه الاتفاقية»، مبينا أنه «استنادا إلى ذلك أصدرت الحكومة التركية هذا اليوم قرارها المتضمن انهاء الاتفاقية وفقا لبنودها السابقة، مع العرض بأن الحكومة العراقية ممثلة بوزارة النفط وحرصا منها على ديمومة العلاقات الاقتصادية مع الجارة تركيا، سعت لتمديد الاتفاقية عبر التفاوض منذ تموز/يوليو عام 2024 مع الجانب التركي بغية تمديد الاتفاقية مدار البحث».
وأضاف، أنه «⁠وفي ذات السياق أرسلت وزارة الطاقة التركية رسالة إلى وزارة النفط أبدت فيها رغبتها بتجديد الاتفاقية مع مرفقها مسودة اتفاقية جديدة للتعاون في مجال الطاقة أكثر شمولا من الاتفاقية السابقة، حيث تضمنت التعاون في مجال النفط والغاز والصناعات البتروكيميائية والكهرباء بغية توسيع آفاق التعاون بين البلدين»، لافتا إلى ⁠أن «وزارة النفط بصدد مراجعة مسودة الاتفاقية المرسلة من الجانب التركي والتفاوض معهم بشانها، وصولا إلى الصيغة التي تخدم مصلحة العراق وتركيا».

ردود أفعال على القرار التركي

ونظرا لتداعيات القرار التركي على الاقتصاد العراقي، فقد أثار قرار قطع مرور النفط العراقي عبر تركيا، ردود أفعال واسعة في الأوساط الاقتصادية والسياسية العراقية.
أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة، نبيل المرسومي، رأى «أن القرار التركي استند إلى المادة 11 من الاتفاقية المعدلة في 19 أيلول/سبتمبر 2010 التي تجيز لأحد الطرفين إنهاء الاتفاقية الممتدة لمدة 15 عاماً بعد إرسال بلاغ خطي للطرف الآخر قبل سنة واحدة من تاريخ انتهاء الاتفاقية».
وأضاف المرسومي في تدوينة عبر «فيسبوك»، أنه «كان يمكن للعراق استناداً إلى المادة نفسها العمل على تمديد أو تعديل هذه الاتفاقية قبل سنتين من نفادها، لكنه لم يفعل ذلك».
ويعتقد الخبير المذكور أن من «الممكن أن يكون قرار تركيا مرتبطاً باستيائها من العراق الذي رفع دعوى قضائية إلى محكمة غرفة التجارة في باريس وأدت إلى تغريم تركيا 1.5 مليار دولار بسبب سماحها بتصدير نفط كردستان من خلال خط جيهان خلافاً للاتفاقية الموقَّعة مع العراق». في إشارة إلى الحكم الصادر عن غرفة باريس نهاية آذار/مارس 2023، وأدى إلى إيقاف صادرات نفط كركوك وإقليم كردستان إلى تركيا.
وأكد المرسومي أن»الرغبة التركية في إنشاء خطوط أنابيب جديدة لنقل النفط والغاز الطبيعي من البصرة إلى ميناء جيهان على البحر الأبيض المتوسط، قد تكون وراء إصدار القرار التركي»، موضحا أنه وبحسب المخطط فإن خط الأنابيب الجديد «ينقل النفط الخام من البصرة شمالاً إلى حديثة (في محافظة الأنبار غرباً)، قبل أن تتجه نحو سيلوبي في جنوب تركيا. ويشمل هذا المسار أيضاً نقطة انتقال من بيجي العراقية إلى فيشخابور، قرب الحدود التركية».
أما الخبير في الطاقة ووزير الكهرباء والنفط السابق في الحكومة الاتحادية لؤي الخطيب، فقد عزى إقدام تركيا على إلغاء اتفاقية تصدير النفط العراق إلى «تقاعس للدبلوماسية العراقية وفشلها طوال السنوات الأخيرة دون خوض مفاوضات جادة مع أنقرة بعيداً عن الزيارات البروتوكولية والمجاملات السياسية»، مشيراً إلى أن «أنقرة تتوقع خضوع بغداد لطلباتها، لكن هذا يعتمد على طبيعة وجدية وقوة حجة المفاوض العراقي والأوراق المتاحة للمناورة، سياسياً واقتصادياً».
وفيما يتعلق بتأثير القرار التركي على إقليم كردستان، قال الخطيب في تصريح صحافي، إن «قرار أنقرة سيجبر بغداد على إعادة التفاوض مع أربيل على كل شيء، لأن الوضع الاقتصادي والسياسي عراقياً لا يبشر بخير، وهذا سيفاقم الأزمة المالية على إقليم كردستان في حال رفضت أربيل قبول اتفاق براغماتي مع بغداد إلى حين إيجاد البدائل».
واقترح الخطيب، وهو عضو المجلس الوزاري الاتحادي للطاقة، عدة نقاط للرد العراقي على تركيا، أبرزها: «اعتماد العراق على فريق سياسي اقتصادي للتفاوض شرط أن يتمتع برؤية ثاقبة ومعرفة بحيثيات الوضع الاقتصادي والسياسي العالمي، مدعوماً من جميع الكتل السياسية للتفاوض على جميع الملفات بما فيها النفط والمياه ومستقبل التجارة وميزان التعرفة وفرص تركيا في العراق بمجال الاستثمارات والإعمار والصناعة والزراعة وطريق التنمية كحوافز».
ويرى المراقبون أن إلغاء تركيا لاتفاقية مرور النفط العراقي عبر أراضيها، في هذا التوقيت مرتبط بمحاولة تركية لإعادة صياغة العلاقة النفطية مع العراق على أسس جديدة، تتجاوز أية التزامات قانونية سابقة، وتضمن لتركيا مكاسب اقتصادية أكبر مقابل مرور النفط العراقي عبر أراضيها.
من المؤكد أن البلدين حريصان على تجديد اتفاقية نقل النفط العراقي عبر ميناء جيهان التركي، وفق شروط جديدة تخدم مصالح البلدين وتتجاوز التعقيدات والخلافات الحالية بين أطراف المشروع، مع مراعاة أن أنقرة تسعى إلى فرض شروط جديدة تتضمن إلغاء الغرامة البالغة 1.5 مليار دولار التي حكمت بها محكمة التحكيم الدولية لصالح العراق، وفرض رسوم عبور جديدة تُقدَّر بـ25 مليون دولار شهريًا، ما يجعل المفاوضات المقبلة شاقة ومعقّدة، وتتطلب موقفًا تفاوضيًا عراقيًا موحدًا، حيث أن المفاوضات لن تقتصر على عقد اتفاقية جديدة حول مرور النفط فحسب بل هي فرصة لبحث كل مجالات التعاون بين البلدين في ملفات مهمة كالتجارة والمياه وطريق التنمية.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير