الرباط ـ “رأي اليوم” ـ نبيل بكاني:
لطالما شكلت العلاقة بين المغرب وعمقه الإفريقي محورًا استراتيجيًا ومعقدًا، تستند إلى أبعاد روحية وتاريخية، فضلاً عن اعتبارات سياسية واقتصادية. فمنذ فجر دولة المرابطين، مرورًا بالدولة الموحدية، وصولًا إلى الدولة العلوية، اضطلع المغرب بدور بارز في غرب إفريقيا، ليس فقط كقوة إقليمية، بل كمرجعية دينية بفضل مؤسسة إمارة المؤمنين، التي منحت المملكة شرعية روحية تتجاوز حدودها الترابية.
لكن هذه العلاقة لم تكن على وتيرة واحدة؛ فقد عرفت فتورًا وتراجعًا مع تغير الأنظمة العالمية وهيمنة النزعة القطرية، قبل أن تستعيد الزخم بعد العودة الرمزية للمغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، حيث شرع في تفعيل استراتيجية دبلوماسية متعددة الأبعاد: شراكات اقتصادية، تنسيق أمني، تعاون ديني، واستثمارات في البنية التحتية والقطاع البنكي، خصوصًا في دول الساحل وغرب إفريقيا.
غير أن هذا الانفتاح، الذي يُعرض رسميًا كخيار سيادي لتعزيز الاندماج الإفريقي، بات يطرح تساؤلات جدية وسط تحولات جيوسياسية إقليمية ودولية، أهمها تراجع نفوذ فرنسا في إفريقيا، وصعود قوى جديدة مثل الصين، وتركيا، وروسيا، وعودة الحضور الأمريكي بنَفَس استراتيجي مختلف.
وفي قلب هذه الدينامية، تبرز مسألة الهجرة جنوب-شمال والهجرة جنوب-جنوب، كملف بالغ الحساسية، يُنذر بتحولات ديموغرافية عميقة قد تغير ملامح النسيج السكاني المغربي.
:الأرقام تتحدث: موجات الهجرة وتغير التوازنات
ad
تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن ما يفوق 200 ألف مغربي، أغلبهم من الشباب الحضري المتعلم، يغادرون البلاد سنويًا بطرق قانونية وغير قانونية، في حين أظهرت دراسات صادرة عن الباروميتر العربي ومنظمة الهجرة الدولية أن أكثر من 70٪ من الشباب المغربي يفكر في الهجرة، خصوصًا في ظل تدهور فرص التشغيل والقلق من المستقبل.
وفي الاتجاه المعاكس، تشير تقارير غير رسمية إلى أن عدد المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء المقيمين بشكل دائم أو شبه دائم في المغرب يتراوح بين 60 ألف و100 ألف مهاجر، أغلبهم يتركزون في محور الدار البيضاء-الرباط-طنجة، وبعضهم في مدن الأطلس والجنوب الشرقي.
وفي إطار تسوية أوضاع هؤلاء، قامت الدولة منذ 2014 بإطلاق عمليتين لتسوية الوضعية القانونية لنحو 50 ألف مهاجر، ضمن استراتيجية الهجرة واللجوء التي أطلقتها اللجنة الوزارية للهجرة، بدعم من شركاء أوروبيين، خاصة الاتحاد الأوروبي والمنظمة الدولية للهجرة.
ad
المغرب كدولة عبور واستقرار: تحت الضغط الدولي؟
منذ توقيع الميثاق العالمي للهجرة بمراكش عام 2018، تحول المغرب من دولة عبور إلى دولة استقرار للمهاجرين، بل وأحيانًا إلى شريك أمني لأوروبا في “ضبط الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي”، مما فتح الباب أمام شبهات تحول التمويلات إلى أدوات تحكم ناعم في السياسات الوطنية.
فقد حصل المغرب، حسب تقارير المفوضية الأوروبية، على أكثر من 236 مليون يورو من “صندوق الطوارئ لإفريقيا” لدعم مراقبة الحدود وتدبير الهجرة، كما أعلنت المفوضية الأوروبية في مارس 2023 عن حزمة دعم إضافية بقيمة 624 مليون يورو تشمل مجالات مختلفة منها الأمن والهجرة والتحول الأخضر.
لكن هذه الأرقام تُقابل بتساؤلات حول الأثر الفعلي لهذه التمويلات، ومدى ارتباطها بسياسات “الاندماج الديموغرافي التدريجي”. وفي هذا السياق، يتهم تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” السلطات المغربية باستخدام بعض هذه الأموال في عمليات ترحيل قسري لمهاجرين غير نظاميين إلى مناطق صحراوية نائية، فيما تعتبرها السلطات تدابير احترازية لحماية الأمن الداخلي.
هل نحن أمام إحلال ديموغرافي ناعم؟
يشير مراقبون إلى أن السياسات الحالية قد تنزلق نحو شكل من أشكال الهندسة السكانية الناعمة، من خلال استبدال تدريجي للقوى العاملة الشابة، عبر تصدير الكفاءات المغربية واستيراد مهاجرين من دول الجنوب تحت لافتة “التكامل جنوب-جنوب”.
ويتجلى هذا في شروط بعض مشاريع التنمية المحلية التي تربط التمويل الدولي بتشغيل المهاجرين، إضافة إلى برامج الاندماج في مدن مثل سلا، تمارة، والدار البيضاء، والتي تُظهر أن بعض المبادرات توفر للمهاجرين امتيازات لا يحصل عليها حتى المواطن المغربي في وضعية هشاشة.
هذا الواقع يثير تساؤلات حول العدالة الاجتماعية، وحقوق المواطنين، واحتمال حصول احتكاكات اجتماعية مستقبلية بفعل الإحساس بـ”التفضيل الأجنبي”، خاصة في غياب برامج موازية لاحتواء البطالة وغلاء المعيشة بين المواطنين.
الأمن والهجرة: بين الردع والتعاون
في سنة 2024، أفشلت السلطات المغربية أزيد من 78,600 محاولة للهجرة غير النظامية، بحسب تقرير رسمي لوزارة الداخلية، بزيادة 4.6٪ مقارنة بسنة 2023. هذه الأرقام تُبرز أهمية التعاون الأمني مع الاتحاد الأوروبي، لكن في المقابل، يضع هذا الضغط الأمني المغرب في موقع حساس بين واجب حماية حدوده وسيادته، وبين مطالبات المجتمع الدولي بحقوق المهاجرين.
نحو توازن استراتيجي لا يقصي الهوية الوطنية
في ظل هذه التحديات، يجب التأكيد على أن الانفتاح الإفريقي للمغرب لا يعني الانصهار الديموغرافي أو فقدان الهوية الوطنية العربية الاسلامية ومكونيها الأمازيغي والأندلسي، بل يتطلب:
سياسة سكانية وطنية محكمة تحفظ التوازن بين الحاجة للتعاون الإقليمي وبين متطلبات الاستقرار الداخلي.
تمييز واضح بين الهجرة المشروعة لأهداف اقتصادية، وبين المخططات السكانية الهادفة لتفريغ الجنوب وتعويضه تدريجيًا.
تحصين الهوية المغربية في بعدها العربي-الأمازيغي-الإسلامي-الإفريقي، وتثبيت دور إمارة المؤمنين كمرجعية عليا في العلاقة مع الشعوب الإفريقية، لا كغطاء لسياسات أممية غامضة.
تثبيت الشباب المغربي عبر فرص تشغيل وسكن وتعليم داخل الوطن، بدل تفريغ البلاد من طاقاتها، وترك المجال لفراغ سكاني قد يُملأ من الخارج.
:المغرب في مرمى تدفقات الهجرة الإفريقية
من جهته أصدر “المرصد الإفريقي للتنمية والتأهيل” وهو هيئة بحثية مقرها نيجيريا متخصصة في رصد السياسات الاجتماعية والإنسانية بالقارة، تقريره السنوي لسنة 2024 حول ديناميات الهجرة في إفريقيا. التقرير الذي أعده باحثون وخبراء ميدانيون، سلط الضوء على تحوّل تدريجي في ملامح الهجرة الإفريقية، واضعًا المغرب في صدارة الدول المستقبلة لتدفقات بشرية من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء.
المغرب في طليعة دول العبور والاستقرار
بحسب التقرير، حلّ المغرب في المرتبة الثانية إفريقيا من حيث عدد المهاجرين غير النظاميين القادمين من الجنوب، بعد جنوب إفريقيا، فيما جاء ثالثًا على مستوى استقبال طالبي اللجوء، خلف أوغندا وجنوب إفريقيا، وهي مرتبة اعتبرها التقرير مؤشرًا على التحوّل التدريجي للمغرب من بلد عبور إلى بلد استقرار.
ووفق معطيات الدراسة، فإن المملكة استقبلت خلال السنوات الخمس الأخيرة تدفقات متزايدة عبر محوري الهجرة الغرب-إفريقي والوسط-إفريقي، تجاوز خلالها عدد المقيمين غير النظاميين 87 ألف شخص، من بينهم أكثر من 6 آلاف قاصر، في حين تم تسجيل ما يفوق 12 ألف طلب لجوء رسمي خلال سنة 2023.
اندماج جزئي وجهود رسمية محدودة
قدّرت الدراسة عدد من تمكنوا من تحقيق اندماج نسبي في المجتمع المغربي بحوالي 25 ألف مهاجر، استفادوا من برامج التسوية القانونية والمبادرات الحكومية المتعلقة بالتعليم، التكوين المهني، والخدمات الصحية الأساسية. إلا أن التقرير نبه إلى محدودية هذه البرامج، سواء من حيث التغطية أو الفعالية، خصوصًا في ملفي التشغيل والسكن، ما جعل أكثر من 40 ألف مهاجر يُبقون المغرب مجرد محطة مؤقتة في طريقهم نحو أوروبا.
بين صورة البلد المستقبل وتحديات الواقع
ربط التقرير تزايد تدفقات المهاجرين بالسياسة التي نهجها المغرب منذ سنة 2013، حين أطلق أولى حملات التسوية القانونية الاستثنائية للمهاجرين، والتي منحت آلاف الأشخاص إمكانية الإقامة بشكل قانوني، ما رسّخ صورة المغرب كدولة أكثر “انفتاحًا” مقارنة بجواره المغاربي، لكنه أشار إلى أن هذه الصورة لا تعكس دائمًا واقع السياسات العمومية، حيث تستمر التحديات المرتبطة بالهشاشة الاجتماعية والمحددات الأمنية.
مفارقات مغاربية: هشاشة مؤسساتية وتفاوتات في الأداء
عكست الدراسة تفاوتًا واضحًا بين بلدان شمال إفريقيا في تعاطيها مع قضايا الهجرة واللجوء. حيث جاءت الجزائر في المرتبة الخامسة من حيث استقبال المهاجرين غير النظاميين، تليها ليبيا سابعة، ثم تونس في المركز التاسع، في حين حلّت المغرب ثانيًا. وعزا التقرير هذا الترتيب إلى امتداد الحدود، ضعف السياسات الاندماجية، واستمرار الأزمات الأمنية في بعض دول المنطقة.
أما على صعيد طلبات اللجوء، فقد احتلت تونس المرتبة السادسة بفضل وجود بنيات إدارية ابتدائية، وإن كانت ضعيفة التأثير، بينما جاءت الجزائر في المرتبة الثامنة نتيجة بطء الإجراءات وصعوبة الوصول إلى آليات الحماية. أما ليبيا فقد تذيّلت القائمة بسبب الغياب الكلي للبنيات المعنية باستقبال اللاجئين.