سجّلت الانتخابات البرلمانية الأخيرة واحدة من أدنى مستويات الحضور المستقل منذ عام 2003، بعدما خرجت التيارات المدنية بنتيجة شبه معدومة، مكتفية بمقعد يتيم داخل تحالف “الفاو – زاخو”، في وقت كانت فيه هذه القوى قد حازت نحو 40 مقعداً خلال الدورة السابقة، مستندة إلى رصيد الاحتجاجات واندفاع جمهور المدن.
والمشهد الجديد يعيد رسم تركيبة البرلمان باتجاه هيمنة شبه كاملة للأحزاب التقليدية، وهو ما تعتبره أوساط سياسية “انكماشاً مقلقاً” للتيارات التي رفعت طوال سنوات شعارات بناء دولة مدنية، ومحاربة الفساد، وتقييد نفوذ الجماعات المسلحة.
وتكشف الأرقام أن التحالفات الكبرى احتكرت معظم المقاعد، وهي: “الإعمار والتنمية”، و”دولة القانون”، و”تقدم”، “الصادقون”، والحزب الديمقراطي الكردستاني، فيما غابت الكتلة المدنية عن التمثيل رغم ترشيح نحو 389 شخصية موزعة على تحالفات متعددة.
ويرى باحثون أن هذا التراجع لا يقتصر على النتائج وحدها، بل يؤشّر تغيّراً جوهرياً في ميزان القوى داخل المؤسسة التشريعية، بعدما انكفأت الكتل التي ارتبطت باحتجاجات 2011 و2015 و2019 لصالح قوى تمتلك أدوات تنظيمية واسعة وقواعد اجتماعية راسخة، إضافة إلى موارد مالية ضخمة عززت قدرتها على الحشد.
القانون الانتخابي
كما لعب تعديل قانون الانتخابات باعتماد صيغة “سانت ليغو” المعدّلة دوراً مؤثراً، حيث ضيّق المساحات أمام القوائم الصغيرة، وجعل عبور العتبة الانتخابية مهمة شبه مستحيلة للقوى المدنية التي دخلت السباق بلا تحالف موحد ولا رصيد انتخابي متماسك.
بدوره، قال الكاتب والناشط السياسي فارس حرّام إن “غياب التيارات المدنية عن البرلمان لم يكن خياراً ذاتياً، بل نتيجة إقصاء غير مباشر انتهجته قوى السلطة عبر رفض إصلاحات أساسية طالب بها المدنيون، مثل تعديل قانون الانتخابات وتطبيق قانون الأحزاب وتفعيل الدستور”.
وأوضح حرّام أن “القوى المتنفذة وضعت المدنيين أمام خيارين أحلاهما مرّ: المشاركة في انتخابات لا تحقق تغييراً حقيقياً وفق شروطها، أو المقاطعة، ما أدى إلى إبعاد ملايين الناخبين المدنيين عن العملية السياسية”.
وأضاف أن هذا النهج يخلق حالة “غليان اجتماعي” قد تدفع الجماهير إلى الاحتجاج “عند أول انتكاسة للدولة أو المجتمع”، محذّراً من أن قوى الإطار “تلعب بالنار” إذا اعتقدت أن نتائج الانتخابات الأخيرة تعبّر عن تمثيل واقعي للمجتمع.
ويؤشّر مراقبون أن خروج التيار المدني من المعادلة البرلمانية لا يعني نهايته، لكنه يكشف أزمة مركّبة تتقاطع فيها عوامل داخلية مرتبطة بالتنظيم والخطاب والتحشيد، وعوامل خارجية متعلقة ببنية النظام الانتخابي وهيمنة القوى التقليدية على الدولة.
ويرجّح هؤلاء أن تشهد المرحلة المقبلة موجة مراجعات داخل التيار المدني قد تعيد ترتيب أولوياته، مع البحث عن أدوات تنسيق جديدة ومساحات مشتركة يمكن البناء عليها لاستعادة الثقة الشعبية، خصوصاً في ملفات إصلاح قانون الانتخابات، وتطبيق قانون الأحزاب، وحصر السلاح بيد الدولة.
هيمنة الأحزاب الكبيرة
من جانبه، قال أستاذ الإعلام غالب الدعمي إن “تراجع قوى تشرين والمدنيين لا يمكن التعامل معه كفشل ذاتي فقط، بل كحصيلة بيئة سياسية شديدة التعقيد، وهيمنة واضحة للأحزاب التقليدية على مفاصل الدولة والعملية الانتخابية”.
وأضاف أن “المدنيين وجدوا أنفسهم أمام خصوم يمتلكون المال والنفوذ والأدوات التي جعلت المنافسة غير متكافئة منذ اللحظة الأولى”، مبيناً أن “سوء اختيار بعض المرشحين وعدم استكمال الهياكل التنظيمية كان له أثر، لكن العامل الحاسم تمثّل بسيطرة القوى الماسكة بالسلطة على المشهد الانتخابي، ما أضعف قدرة القوى المدنية على الوصول الحقيقي إلى جمهورها”.
وتؤكّد قيادات أحزاب مدنية أن الخسارة الأخيرة ستفرض على هذه التيارات إعادة بناء نفسها، وإجراء مراجعات داخلية قبل مواجهة القوى التقليدية الممسكة بزمام السلطة.