بيروت ـ «القدس العربي»: يبدو الوضع اللبناني متأرجحاً بين تهديد إسرائيل بتوسيع حربها على الجنوب والبقاع وبين ترقّبها تطورات المشهد الإيراني، ولكن في الانتظار شن الطيران الحربي المعادي أكثر من 33 غارة أمس على مناطق حرجية في جنوب لبنان طالت أطراف بلدة جباع التي تعرّضت لحوالي 10 غارات إضافة إلى سلسلة غارات بين بصليا وسنيا في منطقة جزين والقطراني والمحمودية ومرتفعات جبل الريحان والمحمودية والدمشقية.
وادعى المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي مهاجمة فتحات أنفاق لتخزين وسائل قتالية تابعة ل«حزب الله» بجنوب لبنان، زاعماً أنه «خلال الأشهر الماضية تم رصد أنشطة ل«حزب الله» داخل هذه المواقع بما يشكل خرقًا للتفاهمات بين إسرائيل ولبنان» مضيفاً «سيواصل جيش الدفاع العمل لإزالة أي تهديد على دولة إسرائيل».
بعدها، وجّه أدرعي إنذاراً إلى سكان كفرحتى، داعياً إلى إخلاء مجمّع يضم 10 مبان محدد بالأحمر في الخريطة والمباني المجاورة بحجة «مهاجمة بنية تحتية عسكرية تابعة ل«حزب الله» والتعامل مع المحاولات المحظورة التي يقوم بها لإعادة إعمار أنشطته في القرية». وقد ناشد أهالي كفرحتى الجيش اللبناني والقوى الأمنية التوجّه إلى المكان للكشف عليه بمشاركة «اليونيفيل».
بعدها أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، مساء، شنّ هجمات على «بنى تحتية» ادعى أنها «تابعة ل«حزب الله»» في جنوب لبنان، وذلك بعد إنذار وجّهه لسكان مجمع سكني يضم 10 مبانٍ في قرية كفر حتا بقضاء صيدا بالإخلاء.
وجاءت هذه الهجمات بعد نحو ساعتين من سلسلة غارات جوية نفذها الجيش الإسرائيلي على مناطق متفرقة جنوبي لبنان، بدعوى استهداف بنى تحتية لـ«حزب الله».
فيما قالت وكالة الأنباء اللبنانية، إن مقاتلات الجيش الإسرائيلي تشن غارة على قرية «كفر حتا» جنوبي لبنان بعد نحو ساعة من إنذار مجمع سكني يضم نحو 10 مبانٍ بالإخلاء وأكدت الوكالة وقوع «دمار كبير في الأبنية» في بلدة كفرحتى.
جشي يشدد على التمسك بالوحدة في وجه العدو «الطامع بأرضنا ومياهنا وثرواتنا»
إلى ذلك، حلّق الطيران المسير الإسرائيلي بشكل كثيف على مستوى منخفض في اجواء الساحل الممتد من راس العين القليلة جنوباً حتى سواحل صور القاسمية شمالاً والزهراني. كما حلّقت مسيّرات فوق السلسلتين الشرقية والغربية وفي محيط بعلبك وقضاء الهرمل.
وكانت محلقة إسرائيلية ألقت قنبلة صوتية في أجواء حي «كركزان» في بلدة ميس الجبل أثناء قيام جرافة بإزالة ردميات أحد المنازل المدمرة، كما ألقت مسيَّرة قنبلة صوتية على بلدة كفركلا وقنبلة وسط بلدة عديسة، فيما عُثر صباحاً على محلقة إسرائيلية سقطت في بلدة عيتا الشعب في قضاء بنت جبيل.
فضل الله ينتقد
توازياً، رأى عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب حسن فضل الله أن «البعض في الداخل يمنّي النفس بحرب إسرائيلية طاحنة على بلدنا من أجل أن يحقق أحلامه ومشاريعه التي خابت عام 1982، ومن أجل أن يثأر لهزيمة المشروع الإسرائيلي وسقوطه آنذاك، معتقدًا أنه بعد مرور أربعين عامًا يمكن أن يعيد الزمن إلى الوراء ليحقق أهدافه الخبيثة والشريرة التي تطال كل لبنان» واعتبر «أن مواقف بعض المسؤولين داخل مؤسسات الدولة تشكّل صدى للاعتداءات الإسرائيلية، وترددها صوتًا سياسيًا أو إعلاميًا لتتناغم مع هذه الاعتداءات، ولكننا لا نتوقف عند الأشخاص، فالسلطة تتغير، ولكن الدولة تبقى، ونحن جزء أساسي منها، وحضورنا وقوتنا نستمدهما من شعبنا ومن شراكتنا التي لن يستطيع أحد تجاوزها».
وخلال احتفال تكريمي لأحد شهداء «حزب الله» في بلدة الجميجمة، قال فضل الله «هناك محاولات مستمرة لتزوير الوقائع وتضليل الرأي العام، وهذه المحاولات وصلت إلى حد الادعاء بوجود «حزب الله» في فنزويلا وأن له دورًا هناك، ولكن ما يقال وينشر في هذا المجال فبركات وأكاذيب تأتي في سياق محاولات تصوير ما جرى وكأن فيه خسارة ل«حزب الله» بينما الذي جرى يشكل خسارة للقانون الدولي وللمواثيق الدولية ولسيادة الدول، ويمثّل اعتداءً على دولة، أما بالنسبة لنا في «حزب الله» فليس لنا أي وجود تنظيمي أو مالي أو أمني أو عسكري أو أي وجود من هذا القبيل في فنزويلا. نعم، كانت هذه الدولة قد أخذت موقفًا يتقاطع مع موقفنا، ونملك علاقات مع السفارة الفنزويلية في لبنان، ولكن ليس لدينا أي تواجد في فنزويلا، بل هناك مغتربون لبنانيون من كل الطوائف والفئات».
واضاف: «لا يقتصر الأمر على ما يجري اليوم، بل يحاولون تزوير الوقائع والتاريخ الذي عاشه اللبنانيون ولا يزال أمام أعينهم، فهناك من يدّعي أن إسرائيل لم تكن تريد احتلال الجنوب أو بيروت، وكأنها لم تحتل جزءًا من جنوب لبنان عام 1948، وأقامت حزامًا أمنيًا وارتكبت مجزرة حولا، ولم يكن يوجد «حزب الله» ولا حركة أمل ولا فصائل فلسطينية، أو كأن اللبنانيين لم يعيشوا وقائع اجتياح عام 1982 واحتلال بيروت بشراكة قوى لبنانية حاصرت المدينة وكانت إلى جانب العدو». وأكد أنه «لولا المقاومة بكل فصائلها لنجح مشروع العدو التدميري، فمعادلات المقاومة هي التي أسقطت أهداف العدو، وهي التي أبقت لنا الجنوب ولبنان وحمت شعبه على مدى ثلاثين عامًا. وهناك من يحاول اليوم شطب هذه التضحيات من الذاكرة الوطنية، وفي الحرب الأخيرة منعت تضحيات المقاومين احتلال الجنوب والوصول إلى بيروت، فالمقاومة صمدت وحررت الأرض وسلمتها للدولة، ولكن للأسف لم تكن الدولة على مستوى المسؤولية المطلوبة. وشعبنا يقارن اليوم بين مرحلتين، ويرى فرقًا كبيرًا، لأنه مع معادلات المقاومة كان يشعر بالأمن والطمأنينة، واليوم في ظل سلطة الدولة يتعرض للعدوان الإسرائيلي اليومي، ومطلبه الملح هو توفير الحماية، ولكنه لا يطمئن إلى هذه الدولة».
وختم «الدولة والجيش والشعب والمقاومة كلهم قالوا إنهم نفذوا ما عليهم من اتفاق السابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر، وهذا يتطلب أن ينفذ العدو الموجبات المفروضة عليه، ومنها وقف الاعتداءات والاغتيالات والقصف وإطلاق الأسرى، وأن تعمل الحكومة لإعادة الإعمار وللتعويض عن الناس» منتقداً السلطة التي «كلما تنازلت كلما زاد النهم الإسرائيلي لفرض الشروط والإملاءات على بلدنا».
فضل الله: بعض الداخل يمنّي النفس بحرب طاحنة بعد خيبة أحلامه عام 1982
وكان الجيش اللبناني أعلن الخميس إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع ترسانة «حزب الله» والتي أقرتها الحكومة لحصر السلاح في يد الدولة. وأكد الجيش أنه أتمّ «بسط السيطرة العملانية على الأراضي التي أصبحت تحت سلطته في قطاع جنوب الليطاني (حوالى 30 كلم من الحدود الإسرائيلية) باستثناء الأراضي والمواقع التي لا تزال خاضعة للاحتلال الإسرائيلي». الا أن الدولة العبرية شككت بالخطوة واعتبرتها «غير كافية بتاتاً» مجددة مطلبها بنزع السلاح في كل لبنان.
وقال رئيس وزرائها بنيامين نتانياهو إنّ «اتفاق وقف إطلاق النار… ينصّ بوضوح على أنه يجب نزع سلاح «حزب الله» بالكامل» معتبراً أن الجهود اللبناني في هذا المجال «تُعد بداية مشجعة، لكنها غير كافية بتاتاً».
وعلى وقع ضغوط أمريكية وخشية من توسيع إسرائيل لنطاق ضرباتها، باشر الجيش في أيلول/سبتمبر تطبيق خطة لسحب سلاح الحزب بعد حرب خاضها ضد إسرائيل استمرت لأكثر من عام وانتهت بوقف لإطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 بوساطة أمريكية.
وتتألف خطة الجيش اللبناني من خمس مراحل. وتشمل المرحلة الثانية المنطقة الممتدة من شمال نهر الليطاني وحتى نهر الأولي الذي يصب شمال صيدا، كبرى مدن جنوب لبنان، والواقعة على بعد نحو أربعين كيلومترًا الى الجنوب من بيروت.
وأعلن الحزب المدعوم من طهران رفضه التخلي عن سلاحه، مشددًا على ضرورة أن تلتزم إسرائيل ببنود اتفاق وقف إطلاق النار قبل أي بحث في ترسانته.
وبموجب وقف إطلاق النار، كان يُفترض بإسرائيل أن تسحب قواتها من جنوب لبنان، لكنها أبقت على وجودها في خمسة مواقع تعتبرها استراتيجية، يطالبها لبنان بالانسحاب منها.
جشي: لا للتنازل
ورأى عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب حسين جشي في احتفال في كفردونين «أن ضمانة الحفاظ على لبنان وسيادته هي تمسك اللبنانيين بوحدتهم في مواجهة العدو الصهيوني الطامع في أرضنا ومياهنا وثرواتنا» معتبراً «أن الخلاف بين اللبنانيين يشجع العدو على الاستمرار في احتلاله وعدوانه». وأكد «أن المطلوب هو وحدة الموقف تجاه العدو بعدما نفّذ لبنان كل ما هو مطلوب منه في اتفاق وقف إطلاق النار، والتمسك بكل الإمكانات المتاحة والاحتفاظ بأسباب القوة التي بين أيدينا ومنها المقاومة التي تشرّعها كل القوانين الدولية والشرائع السماوية للدفاع عن الأرض والعرض والكرامة وخاصة في ظل البلطجة الأمريكية والإجرام والتوحش الصهيوني غير المسبوق، في حين أن كل التهديد والتهويل من الخارج والداخل لا ينفع معنا، لأننا قوم أباة لا نخضع للعدو مهما بلغت تضحيات».
وأشار إلى «أن أي كلام من قبل السلطة عن الانتقال إلى أي مرحلة لاحقة قبل إلزام العدو بتنفيذ ما هو مطلوب منه هو كلام في غير محله ولا قيمة فعلية له ولا إمكانية لتنفيذه، بل إن الدولة اللبنانية التي تقول بأن قرار الحرب والسلم أصبح بيدها وأن الدفاع عن اللبنانيين يكون حصراً من خلال المؤسسات الأمنية الرسمية، وبناء عليه فإن الجيش اللبناني الوطني يمسك بزمام الأمور تماماً في منطقة جنوب الليطاني والسلاح حكر على السلطة كما أرادت، فلتثبت الدولة إذاً أنها قادرة على قادرة حماية المواطنين وأرزاقهم في جنوب الليطاني».
وأضاف: «إن بعض أركان السلطة يسارع في تقديم التنازل تلو التنازل للعدو وللأمريكي من دون أن يقدم العدو على أي خطوة إيجابية تجاه حقوق لبنان وسيادته وأمن مواطنيه، والمفروض من السلطة أن تسارع بمطالبة العدو بتنفيذ ما عليه طالما أن لبنان نفّذ ما هو مطلوب منه، فبدلاً من مطالبة العدو يسارعون إلى الضغط على المقاومة تحت حجة سحب الذرائع من العدو، ولبنان نفّذ المطلوب ولم يبقَ للعدو ذرائع ورغم ذلك لا يزال يحتل ويعتدي يومياً، وهل يحتاج العدو بالأصل إلى ذرائع للاعتداء طالما أن كيانه قام على المجازر والإجرام والتوحّش وطالما أن مشاريع العدو توسعية، وهو يسعى اليوم لتحقيق حلمه بإقامة ما يسمى إسرائيل الكبرى، ونتنياهو قال بوضوح أنه في مهمة تاريخية وروحية لإنشاء إسرائيل الكبرى التي تشمل وطننا لبنان كله».