لندن- “القدس العربي”:
لم تكن الدنمارك تعتقد أنها ستجد نفسها محاصرة بين أكبر قوتين عسكريتين في العالم، روسيا من ناحية الشرق التي تهدد بالاستيلاء على جزيرة بورنهولم، والحليف الأمريكي الذي قرر ضم جزيرة غرينلاند بأي طريقة.
وبعد انفجار الحرب الروسية- الأوكرانية التي ستكمل سنتها الرابعة خلال الشهر المقبل، بدأت تطفو إلى السطح جزر صغيرة أو جزر ضخمة كانت شبه منسية، غير أنها اكتسبت بعدا عسكريا وأمنيا مثيرا. ومن ضمن هذه الجزر، الجزيرة الدنماركية الصغيرة بورنهولم الواقعة شرق هذا البلد وجنوب السويد وأمام الجيب الروسي الإستراتيجي كالينينغراد. مساحتها لا تتجاوز 588 كلم مربع، وساكنتها بالكاد تصل إلى أربعين ألفاً، إلا أنها تعتبر من الجزر الأكثر إستراتيجية في أوروبا وخاصة بين أوروبا وروسيا، مثلها مثل الجزيرة السويدية غوتلاند.
تحاربت عدد من الدول على هذه الجزيرة الصغيرة الإستراتيجية طيلة القرون الماضية، غير أنها تحولت إلى أرض تابعة للمملكة الدنماركية. ويتعامل معها الحلف الأطلسي بحذر شديد عسكريا. فهي الجزيرة التي تتحكم في منفذ روسيا ودول البلطيق إلى المحيط الأطلسي. ولهذا، عمد الحلف إلى التواجد فيها ولكن بتسليح محدود لعدم إزعاج الاتحاد السوفياتي سابقا وروسيا حاليا، لاسيما وأن موسكو احتلتها ما بين سنتي 1945 و1946 بعدما طردت القوات النازية الألمانية منها.
ولا تطالب روسيا بالجزيرة، ومع ذلك، توجد مطالب إستراتيجية من الناحية العسكرية، وهذا يتماشى ومنطق الأمن القومي الروسي تجاه منطقة البلطيق والممرات المائية في اسكندنافيا، وتستخدم التاريخ لتبرير حساسيتها الإستراتيجية. ومن ضمن ما تركز عليه موسكو في خطابها السياسي حاليا خاصة مراكز التفكير الإستراتيجي، أن الجزيرة كانت جزءا من الاتحاد السوفياتي في أواسط الأربعينات، وأنها تشكل جزءا مما يطلق عليه ”منطقة الأمن“ في شرق بحر البلطيق. وعليه، تتخوف روسيا من أن تسليح الحلف الأطلسي للجزيرة يعني في حالة نشوب نزاع، مراقبة أو منع وصول السفن الروسية التجارية والحربية من بحر البلطيق إلى المحيط الأطلسي. كما ستشكل قاعدة للتجسس الإلكتروني والمراقبة الجوية والبحرية المكثفة، والتحول إلى قاعدة أساسية في مهاجمة الجيب الروسي كالينينغراد الواقع شمال بولونيا. والمثير أن هذه الجزيرة عادت إلى الرادار العسكري الروسي بعدما جرى تفجير أنبوب الغاز نوردستريم في سبتمبر2022 على بعد كيلومترات معدودة من شواطئها.
وتعمل الدنمارك على تعزيز وجودها العسكري في الجزيرة تفاديا لأي مفاجأة من طرف روسيا. في هذا الصدد، صرح قائد القوات البرية الدنماركية الجنرال بيتر بويسن، أن بلاده تعزز بشكل مستمر وجودها العسكري، وسيتم الدفاع عن هذه الجزيرة، مشددا على ضرورة الإسراع بعسكرة بورنهولم.
وتقتدي الدنمارك في هذا الصدد بالسويد التي قامت بعسكرة جزيرة غوتلاند بشكل كبير مباشرة بعد الحرب الروسية- الأوكرانية. وتقع غوتلاند في بحر البلطيق ولها مكانة إستراتيجية مثل بورنهولم. وتحاول الدنمارك جعل الجزيرة تحتضن بعض أنشطة الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي منذ ارتفاع التهديدات الروسية.
واحتضنت خلال أبريل الماضي اجتماعا لـ11 عضوا من دول الاتحاد الأوروبي لدعم أوكرانيا والتأكيد على الطابع الدنماركي للجزيرة، وترتب عن هذا مزيد من الضغط الروسي غير المباشر. ويوجد اعتقاد لدى المسؤولين الدنماركيين أن موسكو، ووفق منطقها للأمن القومي في عالم متقلب، ستجد ذريعة ما للتحكم في الجزيرة بطريقة أو أخرى.
في الوقت الذي كانت فيه الدنمارك تستعد لمواجهة التهديد الروسي شرقا، إذا بالخطر الحقيقي يأتي من الغرب، وتحديدا من الحليف الأكبر في الناتو، الولايات المتحدة، بعدما صرح رئيسها دونالد ترامب في أكثر من مناسبة خلال الأيام الأخيرة، أن واشنطن ستفرض سيطرتها على الجزيرة قبل أن تفعل ذلك روسيا أو الصين.
وبنوع من السخرية وفي مقارنة مع غرينلاند، يقول فردريك ترولستوب، رئيس بلدية رون، عاصمة جزيرة بورنهولم، “نتمنى أن لا ينتبه ترامب إلى جزيرة بورنهولم”.
وبنوع من الجدية والقلق، يصرح للصحافة الدبلوماسية المدير التنفيذي لمؤسسة “تحالف الديمقراطيات” أنه “لأول مرة منذ ثمانين سنة نجد أنفسنا مهددين من جانبين، من روسيا شرقا والولايات المتحدة غربا، نحن نعيش في عالم متقلب”.