حسم «الإطار التنسيقي» المؤلف من أحزاب شيعية، والذي يمتلك الأغلبية في البرلمان العراقي، اختيار رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي مرشحا لمنصبه السابق مرة أخرى.
يشكّل المالكي شخصية سياسية رئيسية في العراق، فإلى كونه زعيما لـ«ائتلاف دولة القانون» وأمينا عاما لحزب الدعوة الإسلامية، فقد رأس منصب رئيس الوزراء لدورتين متتاليتين (2006 ـ 2014) وتولى منصب نائب رئيس الجمهورية على فترتين بين عامي 2014 و2018، كما تولى وزارات الداخلية والدفاع والأمن الوطني، وهو ما يمكن من اعتبار شخصية كبرى ضمن ما يمكن تسميته «الدولة العراقية العميقة» التي تأسست بعد الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003، ونتيجة للتحالف الموضوعي الذي نشأ إثرها بين القوى الموالية لإيران، وسلطات الاحتلال الأمريكية.
يتذكر العراقيون ولاية المالكي الأولى التي شهدت توقيعه على قرار إعدام صدام حسين، كما شهدت تلك الفترة عمليات الخطف والتهجير والقتل الطائفي، وصولا إلى فترة ولايته الثانية التي شهدت ما يشبه الانهيار العسكري للدولة العراقية أمام تنظيم «الدولة الإسلامية» والذي تبعه تأسيس «الحشد الشعبي» وفصائله العديدة التي شاركت في الحرب ضد تنظيم «الدولة» وأصبحت بعدها جزءا من المعادلات العسكرية والسياسية والطائفية في البلاد.
احتل العراق، خلال تلك الفترة، حسب تقرير لمنظمة الشفافية الدولية في العام 2012، المرتبة الثالثة في الفساد بين دول العالم، وأسهم التراكم الهائل لسياسات النظام التي عززت الفساد والطائفية والتبعية لإيران وزادت العلاقات مع الدول العربية سوءا إلى رفض كبير لحصول المالكي على ولاية ثالثة عام 2014، لكنّ المالكي، كما توضّح عودته المرتقبة لرئاسة الوزراء، بقي لاعبا رئيسيا في السياسات العراقية الداخلية، وهو أمر لم يتزعزع رغم «سيرته المهنية» والذي كشفت تسريبات صوتية له عام 2022 عن مواقف شديدة ضد خصومه السياسيين، ورغبته بالعودة إلى حكم مركزي قمعي، وإساءات للمكون السنّي، مما عمّق الأزمة السياسية في العراق، وأجل تشكيل الحكومة لأكثر من تسعة أشهر.
كان لافتا، في سياق ترشيح المالكي الجديد، توجيه حزب «الدعوة الإسلامية» الشكر لمرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، علي خامنئي، على «دعم هذا الترشيح» خالصا للقول: «تبقى إيران ومحور المقاومة أبديا ما دام المالكي والإطار في العراق» وهو ما يفتح الباب للسؤال حول معاني هذا الترشيح، وخصوصا في ظل الاستعدادات الأمريكية الجارية للضغط العسكري والدبلوماسي على إيران، وعلاقة هذا الترشيح، أيضا، بالتطوّرات الأخيرة في سوريا.
من الصعب عدم رؤية «بصمة إيران» في هذا الترشيح، ومحاولتها الاستفادة من الإمكانيات الموجودة لديها داخليا وخارجيا لصد فعاليات التصاعد في التهديد الأمريكي.
في المقابل، وحسب وكالة «رويترز» فإن الولايات المتحدة هددت سياسيين عراقيين كبارا بفرض عقوبات تستهدف الدولة في حالة ضم فصائل مدعومة من إيران في الحكومة المقبلة، وأن القائم بالأعمال الأمريكي جوشوا هاريس وجّه هذا التحذير مرارا خلال أحاديثه مع مسؤولين عراقيين وقادة نافذين، بأن واشنطن ستعلق التعامل مع الحكومة الجديدة في حال تم تمثيل نواب الفصائل المسلحة في مجلس الوزراء.
رغم التاريخ الطويل للتعامل بين أمريكا والمالكي، فإنه، بالنظر إلى علاقته الوثيقة بطهران، لا يبدو موقف واشنطن محبّذا لرئاسته للوزراء، ولكنّ التركيز الأمريكي يبدو منصبّا على أعضاء الميليشيات العسكرية المتورّطة بهجمات على قواتها.
صعود المالكي الجديد، وارتباطه الواضح بالجمهورية الإسلامية، سيكون محكوما بمجريات الصراع الأمريكي ـ الإيراني، ومصير هذا الصراع سينعكس، بالضرورة، على مصير المالكي، وعلى أوضاع المعادلات الداخلية الكبرى في العراق.
رغم أن الأمور تبدو متجهة لصالحه، كما تؤكد الأرقام التي ينشرها فريقه الإعلامي، فإن سيناريوهات مختلفة يتم تداولها، ومنها أن تحاول كتلة رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، تشكيل ثلث معطل بالتحالف مع الكتل المعارضة الأخرى، أو عبر تعطيل المفاوضات على انتخاب رئيس الجمهورية بنسبة الثلثين، أو الإخلال بنصاب جلسة انتخابه، والتي يشترط فيها حضور 220 نائبا.