لندن- “القدس العربي”:
نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرا تساءلت فيه عن سبب الخلاف السعودي- الإماراتي وما يتركه من عواقب وخيمة على المنطقة.
وقالت إن لغة الدبلوماسيين دائما تتسم باللياقة، ولا سيما بين الناطقين بالعربية، فهي لغة تميل إلى المجاملات والألقاب.
وفي كانون الأول/ ديسمبر، أصدرت وزارة الخارجية السعودية بيانا من خمس فقرات استخدمت فيه كلمة “شقيقة” أربع مرات في إشارة إلى الإمارات العربية المتحدة، إلا أن هذه النبرة الأخوية كانت متناقضة مع مضمون البيان، فقد قصفت المملكة شحنة أسلحة إماراتية في اليمن، واتهمت الإمارات بتهديد أمنها القومي.
وبعد شهرين تقريبا، لم يعد أحد يكترث بهذه المجاملات، حيث تعيش أكبر دول الخليج خلافا متفاقما، ويكاد كبار المسؤولين لا يتحدثون، وأُطلق العنان لدعائيين مدعومين من الدولة لشن هجمات متبادلة.
وتقول المجلة إن هذا الخلاف أعاد تشكيل الحرب في اليمن وزاد من صعوبة التجارة المتبادلة، فيما يشعر الدبلوماسيون والمسؤولون التنفيذيون بالقلق حيال ما سيحدث لاحقا.
ويخشى البعض تكرار أزمة قطر عام 2017، حين فرضت مجموعة من دول الخليج (بما فيها السعودية والإمارات) حظرا على الإمارة الصغيرة بسبب دعمها للإسلاميين. إلا أن المجلة تستبعد أن تصل الأمور إلى هذا الحد، مع أنها ترى أن أي خلاف مهما كان حجمه ستكون له عواقب وخيمة.
وتقول المجلة إن السعودية والإمارات تربطهما علاقات تحالف وثيقة منذ عقود. فكلتاهما عضوتان بارزتان في مجلس التعاون الخليجي وفي منظمة أوبك، واشتركتا في الحرب لسنوات ضد الحوثيين في اليمن.
وتعد الإمارات خامس أكبر سوق تصدير للسلع السعودية، بينما تحتل السعودية المرتبة التاسعة في هذا الصدد، ويبلغ حجم التبادل التجاري الثنائي 31 مليار دولار سنويا. وتشكل الرحلات الجوية بين دبي والرياض سابع أكثر خطوط الطيران الدولية ازدحاما في العالم. وكما هو الحال مع جميع الحلفاء، فقد واجه البلدان بعض المشاكل.
وبدأت مصالحهما في اليمن بالتباعد عام 2018؛ وأدى نزاع حول حصص إنتاج النفط إلى شل عمل أوبك لعدة أشهر عام 2021. إلا أن قادتهما اعتبروا شراكتهما حجر الزاوية لأمن الخليج، وسعوا إلى الحد من الخلافات.
وجاءت نقطة التحول عام 2023، عندما انزلق السودان إلى حرب أهلية، حيث دعمت السعودية الجيش السوداني، أما الإمارات فقد أرسلت أموالا وأسلحة إلى قوات الدعم السريع، وهي ميليشيا متهمة بارتكاب إبادة جماعية، مع أن أبو ظبي تعترف بتقديم بعض الدعم المبكر، لكنها تنفي استمرار ذلك. وقد اعتبر السعوديون هذا تدخلا خطيرا في حرب لا تبعد سوى 200 كيلومتر عبر البحر الأحمر. وقال الإماراتيون إن الجيش السوداني يسيطر عليه الإسلاميون.
ثم جاء الخلاف في اليمن في كانون الأول/ديسمبر، عندما استولى المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو انفصالي مدعوم من الإمارات، بشكل غير متوقع على مساحة كبيرة من الأراضي من القوات المدعومة من السعودية. وأجبر السعوديون المجلس الانتقالي على التراجع وطردوا الإمارات من اليمن.
وترى المجلة أن الخلاف بين البلدين، مثل أي خصومة في الخليج، هو مزيج من الشخصي والسياسي. فالسعودية مستاءة من دعم الإمارات للقوى الانفصالية المتمردة في الصومال والسودان واليمن ومناطق أخرى، حيث ترى فيه عاملا يزعزع الاستقرار. ويرد الإماراتيون أن هذه الدول هي كيانات بالاسم فقط، ومن الأفضل التحالف مع قوى انفصالية قوية وليس حكومة مركزية فاشلة. ومن جهة أخرى، تمقت الإمارات الإسلام السياسي، فيما تعبر السعودية عن استعداد للتسامح مع الجماعات الإسلامية. كما يختلف السعوديون والإماراتيون بشأن إسرائيل التي اعترفت بها الإمارات عام 2020.
وتعتبر السعودية أكبر دول مجلس التعاون الخليجي من حيث عدد السكان، إذ يبلغ عدد مواطنيها 20 مليون نسمة مقابل مليون في الإمارات. وباعتبارها دولة ذات اقتصاد ضمن مجموعة العشرين، وموطنا لأقدس المواقع الإسلامية، فإنها ترى نفسها في موقع الصدارة بين دول الخليج. وفي الشهر الماضي، وصف أحد المعلقين المقربين من الديوان الملكي، الإمارات بأنها “شقيقة أصغر” متمردة. وقد أثار هذا الكلام استياء الإماراتيين، الذين يتمتعون باقتصاد أكثر تنوعا وجيش أكثر كفاءة، وإن كان أصغر حجما، ولم يعودوا يرغبون في اتباع نهج المملكة في السياسة الخارجية.
وتعلق المجلة أن خلاف البلدين تحول لصراع سرديات، حيث يتهم معلقون في السعودية الإمارات بأنها أداة في يد المصالح الإسرائيلية، بينما يزعم المعلقون الإماراتيون أن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، قد وقع تحت سيطرة الإسلاميين. وقبل بضعة أشهر، كان من الممكن أن يستدعي الأمن أي شخص ينشر مثل هذه التعليقات، ففي الظروف العادية، لا يتسامح ملوك الخليج مع انتقاد بعضهم البعض. أما اليوم، فيبدو أن الحكومتين تشجعان هذا الخطاب الحاد.
وتقول المجلة إن دبلوماسيين من أربع دول غربية استمعوا إلى شكاوى من شركات مقرها الإمارات تقول إنها تواجه عقبات بيروقراطية جديدة في المملكة، فقد احتجزت الشاحنات على الحدود وعجز الموظفون عن الحصول على تأشيرات عمل سعودية. في غضون ذلك، انسحبت شركات إماراتية من معرض دفاعي كبير في الرياض هذا الشهر. ويضع أصحاب العمل خطط طوارئ تحسبا لتفاقم الوضع. وقلما يتوقع أحد فرض حظر على غرار ما حدث في قطر: فالعلاقات الاقتصادية على الأرجح أعمق من أن تقطع تماما، لكنهم مع ذلك يشعرون بالقلق.
والخلاف لا ينحصر في الجوانب الاقتصادية فقط، بل هناك مخاوف أخرى تتمثل في مفاقمة المنافسة بين السعودية والإمارات الصراعات الأخرى. قد يحدث ذلك في القرن الأفريقي، حيث تبدو إثيوبيا (حليفة الإمارات) وإريتريا (شريكة السعودية) على وشك الحرب. كما يشعر السعوديون بالقلق إزاء سوريا، حيث لا يزال الإماراتيون متشككين في أحمد الشرع، الجهادي السابق الذي تولى السلطة عام 2024 بعد انهيار نظام بشار الأسد.
ويقول مسؤولون سعوديون إن الخلاف سينتهي إذا توقفت الإمارات عن دعم فصائل المعارضة الإقليمية. ولا يزال من غير الواضح ما يريده الإماراتيون، حيث لم يردوا على طلبات التعليق المتكررة من المجلة. لكنهم لن يستجيبوا على الأرجح لمطالب المملكة.
وفي تطور مثير للدهشة، تحاول قطر الآن التوسط بين الدول التي كانت تحاصرها سابقا. ففي الرابع من شباط/ فبراير، التقى أميرها مع خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي وشقيق ولي العهد. وبعد عشرة أيام، سافر إلى أبو ظبي للقاء محمد بن زايد، رئيس الإمارات. كما تحاول البحرين ومصر وتركيا المساعدة في الجهود الدبلوماسية. مع ذلك، لم تحرز أي من هذه الاجتماعات تقدما يذكر حتى الآن.
وقد يسهم دعم من أمريكا في حل المشكلة. فدونالد ترامب، الذي لا يشك في قدراته، يعتقد أنه قادر على إنهاء الأزمة، إذ قال للصحافيين في 16 شباط/فبراير: “بإمكاني حله بسهولة “. لكن دبلوماسيين في المنطقة يقولون إن الرئيس يحاول تجنب الخوض في نزاع بين حليفين أثريا عائلته. وقد كثفت الإمارات جهودها في الضغط السياسي في واشنطن، حيث يعد تحالفها مع إسرائيل مصدر دعم لها. وفي الثالث عشر من شباط/فبراير، قال السناتور الجمهوري ليندسي غراهام من ولاية كارولاينا الجنوبية: “كفى يا سعودية!”.
وفي هذه الأثناء، يحاول السعوديون إثارة الاضطرابات عبر الحدود، ففي الأيام الأخيرة، نشرت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي مرتبطة بالسعودية شائعات لا أساس لها من الصحة حول صحة الشيخ محمد بن زايد. كما سعى معلقون في المملكة إلى زرع الفتنة بين أبوظبي، عاصمة الإمارات، وقادة الإمارات الست الأخرى في الاتحاد، والذين لا يتفق جميعهم مع سياسة الشيخ محمد الخارجية المتشددة. وفي النهاية، هذه الأزمة الخليجية الأخيرة تتفاقم منذ سنوات، ولا يبدو أنها ستنتهي قريبا.