باريس- “القدس العربي”:
قالت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية إنه بينما من المقرر أن تُعقد محادثات، اليوم الخميس في جنيف، تبدو واشنطن وكأنها تتجاهل أن الأمريكيين والإيرانيين يتحدثون لغتين مختلفتين.
فتخيّل يوما يجلس فيه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجهاً لوجه في غرفة واحدة، يدفع المسؤولين الفرنسيين الذين تفاوضوا لسنوات طويلة وشاقة على الاتفاق النووي لعام 2015، أي خطة العمل الشاملة المشتركة، إلى الابتسام. ويقول أحدهم، وقد خبر الدبلوماسيين والوزراء الإيرانيين طويلاً: “سيُنتف ريش ويتكوف. سيخدعه عراقجي”، تنقل عنه “لوفيغارو”.
بابتسامته الهادئة ولحيته البيضاء المشذبة بعناية، يخفي رئيس الدبلوماسية الإيرانية حقيقته جيداً. ويضيف المسؤول الفرنسي السابق: “إنه مفاوض شرس، مراوغ، يلعب دائماً ثلاث خطوات إلى الأمام، ويرسل طعوماً مضلِّة”. بل يذهب أبعد من ذلك، رغم أن المحادثات التي ستُستأنف الخميس في جنيف ما تزال غير مباشرة: “سترون أنه سيمنح نفسه رفاهية كتابة المسودة الحرفية لاتفاق جديد من أجل دونالد ترامب”.
كسب الوقت، وإخفاء النيات كما المنشآت النووية، وتقديم مظاهر خادعة وترك الأمور تمرّ ريثما تتغيّر موازين القوى في الديمقراطيات الغربية. منذ عام 2003، أرهق المفاوضون الإيرانيون الدبلوماسيين الأوروبيين وأفقدوهم النوم، تضيف “لوفيغارو”. وتنقل عن أحدهم قوله مازحاً: “التفاوض معهم يكاد يكون مهنة قائمة بذاتها! يمكن جعله تخصص ماجستير”.
وأمام مهارة الإيرانيين ومراوغتهم، يفتقر مبعوثو دونالد ترامب، الأكثر خبرة في عالم العقارات، إلى التجربة السياسية. وهذا النقص في الخبرة هو ما دفع ستيف ويتكوف إلى الاستغراب، باسم ترامب، من أن إيران لم “تستسلم” بعد أمام التهديدات العسكرية الأمريكية.
الأمريكيون والإيرانيون يتحدثون لغتين مختلفتين. فالبيت الأبيض يعتقد أن الضغط العسكري يمنحه تفوقاً دبلوماسياً كفيلاً بإخضاع النظام الإيراني، فيما تتمسك طهران ببقائها الأيديولوجي. وقبيل بدء الجولة الثالثة من المحادثات، تبدو رؤيتا الطرفين متباعدتين إلى حد يصعب التوفيق بينهما، تقول “لوفيغارو”.
يصعب على نظام الملالي الرضوخ للإملاءات الأمريكية. فبرنامجه النووي مسألة فخر وطني، كما أنه ضمانة أمنية مستقبلية. والمطالب الأمريكية: صفر تخصيب يورانيوم، وتقييد الصواريخ الباليستية، ووقف دعم الجماعات المسلحة في المنطقة، تُعدّ في نظر طهران استسلاماً.
ورغم التصريحات الإيجابية لعراقجي الذي يتحدث عن “فرصة تاريخية للتوصل إلى اتفاق”، ويعتبر أن الاتفاق “في متناول اليد”، فإن القرار النهائي في طهران يعود إلى المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي استبعد تقديم مثل هذه التنازلات، تتابع “لوفيغارو”.
بعض المحللين يرون أن النظام قد يختار الحرب بدلاً من الاستسلام. وللحصول على رفع العقوبات، قد يعد المسؤولون الإيرانيون ببعض التنازلات، مثل خفض نسبة تخصيب اليورانيوم، لكنهم لن يتخلوا عن برنامجهم النووي ولا عن صواريخهم الباليستية ولا عن نفوذهم الإقليمي، تضيف الصحيفة الفرنسية.
من جهته، لا يستطيع دونالد ترامب التراجع بسهولة. ففي عام 2018 انسحب من الاتفاق النووي لأنه لم يشمل مسألتي الصواريخ الباليستية وزعزعة الاستقرار الإقليمي. وقد أكد مجدداً أنه لن يسمح “أبداً” لإيران بامتلاك القنبلة النووية. كما وعد المعارضين الإيرانيين، خلال الاحتجاجات، بأن الدعم في طريقه إليهم، تُذكِّر “لوفيغارو”.
محشوراً بين وعده بعدم فتح جبهات عسكرية جديدة، وبين التشدد الإيراني، قد يقبل الرئيس الأمريكي، بحسب بعض التقديرات، باتفاق مخفف مع إيران: تسوية مؤقتة تحدّ من البرنامج النووي من دون التطرق إلى الصواريخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي. أي نسخة ضعيفة من اتفاق عام 2015. ويقول مسؤول فرنسي سابق: “دونالد ترامب لا تحكمه اعتبارات الكبرياء“. لكن مثل هذا الخيار، كما يحذر خبير فرنسي في قضايا الانتشار النووي، “لن يكون سوى هدنة، لا حلاً. مجرد ستار دخاني”، تنقل عنهما “لوفيغارو”.
فهو (ترامب) لن ينهي التهديد النووي الإيراني، ولن يقدّم دعماً للمعارضين، وربما يعزز النظام نفسه، تقول الصحيفة، مضيفة أن رفع العقوبات أيضاً قد يسمح بإعادة تسليح حزب الله اللبناني وتعزيز نفوذه.
وقد تعود المسألة لتطارد العلاقات الدولية مجدداً عند مغادرة ترامب السلطة أو إثر عمل عسكري محتمل من جانب إسرائيل، التي تعتبر التهديدين النووي والباليستي لإيران مسألة وجودية. وقد صرّح يائير لبيد، زعيم المعارضة الإسرائيلية هذا الأسبوع: “يجب ضرب إيران بأقصى قوة، ويجب إسقاط حكم آيات الله”.
في ظل هذه الظروف، يتوقع بعض المراقبين جموداً طويلاً في المفاوضات، مذكّرين بأن التوصل إلى اتفاق عام 2015 استغرق 12 عاماً. فيما لا يستبعد آخرون توجيه ضربات عسكرية. وتشير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن إيران والولايات المتحدة “لم تكونا يوماً أقرب إلى حافة نزاع كبير”. لكن لأي هدف؟ حملة جديدة ضد المنشآت النووية؟ أم إسقاط النظام؟ المخاطر كثيرة والنتائج غير مؤكدة. وكما يقول جنرال فرنسي: “مشكلات القوة لا تُحلّ بمجرد توقيع المعاهدات”.