الوثيقة | مشاهدة الموضوع - ليلة المسيّرات في بغداد.. مواجهة بين السوداني والفصائل كانت على وشك الانفجار
تغيير حجم الخط     

ليلة المسيّرات في بغداد.. مواجهة بين السوداني والفصائل كانت على وشك الانفجار

مشاركة » الخميس مارس 12, 2026 4:21 am

8.jpg
 
بغداد/ تميم الحسن

كشفت ليلة متوترة جديدة، سقطت خلالها طائرات مسيّرة في بغداد على مواقع أميركية ومناطق سكنية، عن اتساع رقعة الصراع داخل أجنحة «الإطار التنسيقي» بشأن منصب رئيس الحكومة المقبلة.
ومع تصاعد الهجمات والاتهامات، بدأ محمد شياع السوداني، رئيس حكومة تصريف الأعمال، يُصنَّف تدريجياً – بحسب خصومه والفصائل المسلحة – ضمن ما يصفونه بـ«المحور الأميركي»، بعد سلسلة إجراءات اتخذتها حكومته ضد هجمات استهدفت مصالح دبلوماسية.
في المقابل، يبدو أن نوري المالكي، الذي ما يزال المرشح الوحيد رسمياً لرئاسة الحكومة، استثمر حالة الغليان داخل بعض الفصائل المسلحة، التي تحدثت عن محاصرة عناصر منها فجر أمس من قبل قوات حكومية، ليعزز تمسكه بترشيحه في مواجهة خصومه داخل التحالف الشيعي.
ويرى محللون أن المالكي قد يقبل في نهاية المطاف بمرشح تسوية آخر، لكن من غير المرجح أن يوافق على عودة السوداني إلى المنصب، ما يرجح استمرار حالة الفراغ الدستوري إلى ما بعد توقف الحرب الإيرانية – الأميركية الجارية في المنطقة، والتي لا تزال نهايتها غير واضحة.
ليلة مسيّرات جديدة
في ليلة الثلاثاء على الأربعاء الأخيرة انتشرت أنباء عن قيام قوات عسكرية بمحاصرة مقاتلين من الحشد الشعبي في شمال بغداد يُعتقد أنهم متورطون في هجوم استهدف مصالح أميركية.
وقبل ذلك بوقت قصير، سقطت طائرة مسيّرة على منزل في حي الجهاد غربي العاصمة قرب مطار بغداد، يُعتقد أنها كانت تحاول استهداف مركز دبلوماسي أميركي.
وقالت منصات مقربة من الفصائل إن السوداني نفذ «أوامر أميركية» بمحاصرة عناصر وصفتهم بـ”المقاومة” بعد اتصال أجروه معه عقب تنفيذ هجوم على المطار، قبل أن يتدخل أبو فدك (عبد العزيز المحمداوي)، رئيس أركان الحشد، لإنهاء الأزمة.
كما تحدثت تلك المنصات عن محاصرة مديرية الهندسة التابعة للحشد في التاجي شمال بغداد، لكن هيئة الحشد الشعبي نفت هذه المعلومات، مؤكدة أن تشكيلاتها «تعمل بانسجام تام».
وسرعان ما جرى توظيف الحادثة في الصراع السياسي حول تشكيل الحكومة، إذ اتهمت منصات الفصائل السوداني بالانحياز إلى واشنطن، مذكّرة بما وصفته بـ«قمع أنصار الحشد» عندما حاولوا اقتحام السفارة الأميركية قبل أيام.
وتحدثت تقارير عن إطلاق 6 طائرات مسيّرة تلك الليلة باتجاه مركز الدعم الدبلوماسي الأميركي قرب مطار بغداد.
وقبل ساعات من تلك الأحداث، كان رئيس مجلس القضاء فائق زيدان قد ناقش مع وزير الخارجية فؤاد حسين الإجراءات القانونية بحق مرتكبي «الاعتداءات الإرهابية» التي استهدفت البعثات الدبلوماسية والمؤسسات والمواطنين.
كما أصدر السوداني أوامر بملاحقة المسؤولين عن الهجوم الذي استهدف السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء السبت الماضي، واصفاً إياه بأنه «عمل إرهابي».
في المقابل، أعلنت فصائل مسلحة أنها نفذت نحو 300 هجوم منذ بداية المواجهات الإقليمية قبل 12 يوماً.
الحرب تعقّد المشهد
ويعتقد إحسان الشمري، رئيس مركز التفكير السياسي، أن انخراط الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة في المواجهات العسكرية الدائرة في المنطقة يُعد أحد العوامل التي تدفع الأجواء السياسية في العراق نحو مسار معاكس، ولا تشجع على المضي في تشكيل الحكومة.
ويقول الشمري إن الحرب الأخيرة أسهمت أيضاً في مضاعفة حدة الاستقطاب السياسي من جهة، وتعميق حالة الانغلاق داخل القوى السياسية من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، رجّحت تحليلات سياسية أن نوري المالكي، الذي يواجه معارضة من خصومه داخل البيت الشيعي لتولّي رئاسة الحكومة، قد يكون حرّك بعض الفصائل في هذا الاتجاه لتعزيز موقفه.
وفي تطور لافت، أعلن أبو علي العسكري، المسؤول الأمني في كتائب حزب الله، في بيان صدر السبت الماضي، أن اختيار رئيس الوزراء المقبل «لن يتم قطعاً» إلا بعد موافقة ما يُعرف بـ«المقاومة الإسلامية».
وتضمن بيان العسكري إشارات إلى رفض تنصيب شخصية يُعتقد أنها مدعومة من الولايات المتحدة، في تلميح فُهم على أنه موجّه ضد محمد شياع السوداني، الذي يحظى بدعم ما لا يقل عن نصف أعضاء “الإطار التنسيقي” ليكون بديلاً عن المالكي، في محاولة لإنهاء الأزمة السياسية المستمرة منذ عدة أشهر.
“جرعة صمود”
ويرى إحسان الشمري، أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، أن هناك جملة من الأسباب الداخلية والخارجية التي تقف وراء عجز “الإطار التنسيقي” عن تشكيل الحكومة حتى الآن.
ويقول الشمري إن الإطار يعيش حالة “انقسام سياسي حاد” بين فريق يؤيد ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، وآخر يعارض ذلك. كما أن التحركات السياسية الأخيرة التي قام بها محمد شياع السوداني، عبر البحث عن حلفاء جدد داخل الإطار لدعم ترشيحه، أسهمت أيضاً في “تعميق حالة الانقسام”.
ويضيف أن “الإطار بدأ يتمحور حول جبهتين متقابلتين وأكثر تشدداً، وهو ما عقد المشهد السياسي إلى حد كبير”.
ويؤكد الشمري أن تردد الإطار في سحب ترشيح المالكي يعد أحد العوامل الأساسية التي عطلت تشكيل الحكومة.
كما أن غياب موقف واضح من القوى السياسية السنية والكردية، بحسب الشمري، أسهم في تفاقم أزمة تشكيل الحكومة واختيار رئيس الوزراء، ما زاد من تعقيد هذا المسار.
ويشير إلى أن ما يصفه بـ«الفيتو الأميركي» ما يزال حاضراً في المشهد، إذ تحاول القوى السياسية، بما فيها “الإطار التنسيقي”، تدوير الزوايا للخروج بحل يحقق قدراً من الاستقرار، ويجنب التحالف الشيعي انقساماً حاداً.
ويرى الشمري أن التطورات الإقليمية، ومنها اغتيال المرشد الإيراني وصعود مجتبى خامنئي، منحت محور المالكي ما يشبه «جرعة صمود»، إذ يدفع ذلك بعض القوى إلى تبني خطاب أكثر تشدداً في مواجهة الولايات المتحدة.
وبحسب الشمري، فإن هذا التطور جعل حتى بعض المؤيدين لإبعاد المالكي “يترددون في موقفهم، خشية أن يُفسَّر ذلك على أنه تخلي عن إرث المرشد الراحل”، خصوصاً مع ما يعتقد أنه تقارب أو مباركة ضمنية من القيادة الإيرانية لمحور المالكي.
ويضيف أن تصريحات دونالد ترامب بشأن إمكانية التكيف مع المرشد الإيراني الجديد، ولكن بشروط معينة، قد “تعزز بدورها تمسك المالكي أو داعميه بموقفهم في معركة رئاسة الحكومة”.
تصلب المالكي
وكان “الإطار التنسيقي” قد أخفق في عقد اجتماع كان مقرراً يوم الاثنين الماضي، كان يُفترض أن يناقش إعلان سحب ترشيح نوري المالكي واستبداله بمحمد شياع السوداني.
وتشير معلومات إلى أن هذا القرار كان قد اتُّخذ الأسبوع الماضي من قبل ما سُمّي بـ«ثلثي الإطار»، أي أغلبية التحالف الشيعي، غير أن الإعلان عنه تأجل بسبب أجواء الحرب والتوترات الإقليمية.
وفي السياق نفسه، أثار مقال نشره رئيس مجلس القضاء فائق زيدان جدلاً سياسياً، بعدما انتقد فيه ما وصفه بـ«التفسيرات الخاطئة» لمفهوم الكتلة الأكبر، معتبراً أنها أحد أسباب تكرار أزمات تشكيل الحكومات في العراق.
ورأى مراقبون أن المقال جاء دعماً لجهود يقودها كل من عمار الحكيم، زعيم “تيار الحكمة”، وقيس الخزعلي، زعيم “عصائب أهل الحق”، وهما من أبرز المعارضين لترشيح المالكي.
لكن، وعلى الرغم من تلك المحاولات، “لم تنجح في إحداث اختراق”، لأسباب متعددة، بحسب ما يقوله إحسان الشمري.
ويضيف الشمري أن “توجه الحكيم والخزعلي لدعم خيار السوداني هو أحد العوامل التي تدفع المالكي إلى التصلب في موقفه وعدم الانسحاب من السباق”. ويشير إلى أنه “لو تمكن الإطار التنسيقي من طرح شخصية تحظى بقبول المالكي، فقد يكون من الممكن تحقيق اختراق في الأزمة”.
لكن طموح السوداني، إلى جانب التزام الحكيم والخزعلي بدعم تجديد ولايته، أسهما – بحسب الشمري – في تعقيد المشهد، وخلق حالة من عدم الانسجام داخل التحالف، بل وحتى تصاعد الخلاف بين المالكي من جهة والحكيم والخزعلي من جهة أخرى.
وفي خضم هذا الجدل، بدأت أطراف شيعية تستخدم العبارة القديمة: «الدجاجة من البيضة أم البيضة من الدجاجة؟» لوصف حالة الشد والجذب حول من يجب أن يبادر أولاً: هل يسحب المالكي ترشيحه بنفسه، أم يعلن الإطار التنسيقي ذلك رسمياً؟
وحتى الآن، لا يبدو واضحاً لماذا يعجز “الإطار” عن اتخاذ خطوة كهذه، في حين ترجّح مصادر سياسية أن الإعلان الصريح عن سحب ترشيح المالكي قد يؤدي إلى “تفكك التحالف الشيعي”، أو يفتح “مواجهة مباشرة مع زعيم ائتلاف دولة القانون”.
“بانتظار نهاية الحرب”
من جانبه، يرى غالب الدعمي، الباحث في الشأن السياسي والأكاديمي، أن الوقت ما يزال مبكراً لحسم ملف تشكيل الحكومة في العراق، في ظل ظروف الحرب الدائرة في إيران، رغم أن طهران تمكنت – حتى في ظل تلك الحرب – من انتخاب مرشدها الجديد، على حد وصفه.
ويقول الدعمي إن العراق “يتأثر بشكل كبير بالصراع الأميركي – الإيراني، لذلك من المرجح أن يبدأ مسار تشكيل الحكومة بعد انتهاء الحرب، وربما يتأخر حتى بعد ذلك” بسبب التداعيات التي ستخلفها هذه المواجهة على المنطقة والظروف المحيطة بالعراق.
ويضيف أن “هناك أيضاً ضغوطاً وشروطاً أميركية تفرض نفسها على المشهد السياسي العراقي، وسط مخاوف لدى بعض القوى من عدم القدرة على تنفيذ تلك الاشتراطات”.
ويشير الدعمي إلى أن العراق يجد نفسه اليوم بين نارين: نار إيران ورغبتها في الحفاظ على نفوذها داخل العراق، ونار الولايات المتحدة التي تسعى إلى فرض رؤيتها وشروطها على الحكومة المقبلة، باعتبارها – بحسب وصفه – أحد الأطراف التي ترى نفسها شريكاً أساسياً في صياغة النظام السياسي الحالي في البلاد.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات