الوثيقة | مشاهدة الموضوع - السودان: تصاعد حرب المسيرات وسقوط ضحايا وسط حراك سياسي تقوده الآلية الخماسية
تغيير حجم الخط     

السودان: تصاعد حرب المسيرات وسقوط ضحايا وسط حراك سياسي تقوده الآلية الخماسية

مشاركة » الأحد مارس 15, 2026 6:17 am

2.jpg
 
الخرطوم ـ «القدس العربي»: تشهد الساحة السودانية خلال الأسابيع الأخيرة تصعيداً عسكرياً لافتاً مع اتساع نطاق استخدام الطائرات المسيرة في الحرب المستمرة منذ نيسان/ابريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، في وقت تتكثف فيه الجهود السياسية والدبلوماسية التي تقودها الآلية الخماسية لجمع القوى السياسية السودانية حول مسار ينهي الحرب ويمهد لانتقال سياسي جديد في البلاد.
ففي موازاة المعارك المتصاعدة في ولايات كردفان ودارفور، برزت موجة من الهجمات الجوية باستخدام الطائرات المسيرة التي طالت مناطق مدنية ومرافق تعليمية وسكنية، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، بينهم طلاب ومعلمون، ما أثار إدانات محلية ودولية واسعة وتحذيرات من تفاقم الكارثة الإنسانية في البلاد.

البرهان يتعهد بمواصلة القتال

وفي خضم هذه التطورات، أكد رئيس مجلس السيادة السوداني والقائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان أن القوات المسلحة ماضية في عملياتها العسكرية حتى ما وصفه بـ«تطهير البلاد من التمرد».
وقال البرهان خلال مخاطبته مواطنين في قرية شكيري بولاية النيل الأبيض إن الهجمات التي استهدفت المدنيين، ومن بينها استهداف مدرسة في المنطقة، تمثل «أفعالاً تتجرد من الإنسانية»، مشدداً على أن الجيش سيواصل عملياته العسكرية حتى «اكتمال النصر وبسط الأمن والاستقرار في كل شبر من أرض الوطن».
وتأتي تصريحات البرهان في وقت تتصاعد فيه المواجهات العسكرية في عدة جبهات، خصوصاً في ولايات كردفان، التي أصبحت إحدى أهم ساحات القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع خلال الأشهر الماضية.

تصاعد حرب المسيرات

وخلال الفترة الأخيرة برزت الطائرات المسيرة كسلاح رئيسي في القتال الدائر، حيث كثفت قوات الدعم السريع استخدام هذا النوع من الهجمات في عدد من المدن والبلدات، في وقت يواصل فيه الجيش تنفيذ ضربات جوية ضد مواقع تقول الحكومة إنها مراكز قوات وإمداد لقوات الدعم السريع.
وأعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك عن قلقه الشديد إزاء تزايد استخدام الطائرات المسيّرة في السودان وتأثيرها المدمر على المدنيين.
وقال تورك إن التقارير الميدانية تشير إلى مقتل أكثر من 200 مدني منذ الرابع من آذار/مارس في إقليم كردفان وولاية النيل الأبيض نتيجة هجمات بالطائرات المسيرة، محذراً من أن استمرار هذا النمط من الهجمات قد يؤدي إلى تفاقم معاناة السكان المدنيين في مناطق النزاع.

ضحايا في مدرسة شكيري

ومن أبرز الحوادث التي أثارت موجة من الغضب في السودان الهجوم الذي استهدف مدرسة شكيري في محلية أم رمتة بولاية النيل الأبيض.
وقالت لجنة المعلمين السودانيين بالولاية إن الهجوم بطائرة مسيرة أسفر عن مقتل المعلم مكي السندي بحر، أحد مؤسسي لجنة المعلمين في الولاية، إلى جانب المعلم ناصر محمد زين، إضافة إلى عشرة من طلاب المدرسة.
وذكرت اللجنة أن الضربة وقعت أثناء وجود المعلمين والطلاب داخل المدرسة، ما أدى إلى سقوط عدد من الجرحى أيضاً بين المدنيين، بينهم طبيب يعمل في المنطقة.
ووصفت اللجنة الهجوم بأنه «جريمة جديدة تستهدف المدنيين والمؤسسات التعليمية»، مؤكدة أن المدرسة كانت منشأة تعليمية مدنية لا يوجد فيها أي عسكري.
وأكدت أن استهداف المؤسسات التعليمية يمثل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني الذي يضمن حماية المدنيين والمنشآت المدنية أثناء النزاعات المسلحة.

قلق نقابي ومدني

من جانبها، أعربت تنسيقية المهنيين والنقابات السودانية عن قلقها من تصاعد الهجمات التي تستهدف المدنيين والمرافق التعليمية باستخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة.
وقالت التنسيقية إن الهجوم على مدرسة شكيري يمثل مؤشراً خطيراً على اتساع نطاق الحرب ليشمل مواقع يفترض أن تكون آمنة مثل المدارس وأماكن العمل.
وأشارت إلى أن الهجمات الأخيرة لم تقتصر على النيل الأبيض، بل شملت أيضاً مناطق في إقليم كردفان، حيث قتل أكثر من أربعين شخصاً في العاشر من آذار/مارس بمنطقة الرواوقة، معظمهم من أبناء قبيلة الحوازمة، نتيجة ضربة بطائرة مسيرة.
ووفقاً للتنسيقية فإن توسع استخدام الطائرات المسيرة والأسلحة الثقيلة في المناطق المأهولة بالسكان أدى إلى سقوط أعداد متزايدة من الضحايا المدنيين، محذرة من أن استمرار هذا النمط من العمليات العسكرية قد يقود إلى كارثة إنسانية أكبر.

استهداف داخليات الطلاب

وفي حادثة أخرى أثارت قلقاً واسعاً، أعلنت شبكة أطباء السودان إصابة سبعة طلاب بجروح متفاوتة إثر استهداف سكن طلابي في مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض بطائرات مسيرة.
وقالت الشبكة إن الهجوم استهدف داخلية طلاب بمنطقة القوز، التي تضم عدداً كبيراً من الطلاب، ما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة من المبنى وإثارة حالة من الهلع بين المقيمين فيه.
وأكدت الشبكة أن استهداف أماكن إيواء الطلاب يمثل تهديداً مباشراً لحياة المدنيين ويعد انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني الذي يجرم استهداف الأعيان المدنية.

قصف الدلنج

وفي جنوب كردفان، أفادت شبكة أطباء السودان بمقتل سبعة أشخاص بينهم طفل وإصابة ثلاثة عشر آخرين جراء قصف مدفعي استهدف أحياء سكنية في مدينة الدلنج.
وقالت الشبكة إن القصف نفذته قوات الدعم السريع بالتعاون مع الحركة الشعبية لتحرير السودان ـ شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، مشيرة إلى أن الهجوم تسبب في حالة من الذعر بين السكان.
وأكدت أن استمرار استهداف الأحياء السكنية يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك للضغط من أجل وقف هذه الهجمات.

اتهامات متبادلة

وفي المقابل، أعلنت قوات الدعم السريع أن هجوماً بطائرة مسيرة استهدف أسواق الوقود في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور أسفر عن مقتل عشرة أشخاص، متهمة الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم.
وتعد مدينة نيالا إحدى أبرز مراكز تمركز قوات الدعم السريع في إقليم دارفور، حيث أعلنتها في وقت سابق عاصمة إدارية لها.
ويواصل الجيش السوداني تنفيذ ضربات جوية على المدينة، التي تحولت إلى مركز لوجستي رئيسي لعمليات الدعم السريع العسكرية في غرب البلاد.

تحولات ميدانية في كردفان

ميدانياً، أعلن الجيش السوداني استعادة السيطرة على مدينة بارا القريبة من الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، في خطوة يرى مراقبون أنها قد تعزز قدرة الجيش على التمدد في ولايات كردفان.
وتعد بارا نقطة استراتيجية مهمة بسبب موقعها على طرق الإمداد التي تربط بين كردفان ودارفور، وكانت قوات الدعم السريع قد فرضت حصاراً على هذه الطرق لفترة طويلة.
ويرى محللون أن استعادة المدينة قد تمهد لتوسيع العمليات العسكرية للجيش قي ولايات كردفان، والتقدم باتجاه مناطق نفوذ الدعم السريع في إقليم دارفور غرب البلاد.

مناوي يتوعد بمواصلة القتال

وفي هذا السياق، قال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي إن استعادة مدينة بارا رفعت الروح المعنوية لقوات الجيش والقوة المشتركة للحركات المسلحة المتحالفة معه.
وأضاف خلال خطاب أمام مقاتلين من القوة المشتركة أن القوات «ستواصل التقدم مدينة بعد أخرى حتى تستسلم قوات الدعم السريع».
وأشار مناوي إلى أن دفعة جديدة من مقاتلي الحركات المسلحة تم تخريجها مؤخراً وستتجه مباشرة إلى جبهات القتال، خصوصاً في محور كردفان الذي وصفه بأنه يشهد «الفصول الحاسمة من المعركة».

تحركات موسى هلال

في الأثناء، عاد الزعيم الأهلي في دارفور موسى هلال إلى واجهة المشهد السياسي والعسكري بعد نجاته من هجوم شنته قوات الدعم السريع على بلدة مستريحة بولاية شمال دارفور.
وعقد هلال سلسلة لقاءات مع قيادات في الجيش والقوة المشتركة للحركات المسلحة. وفي لقاء مع عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر في الخرطوم، أكد هلال خلال اللقاء استعداده لوضع قواته تحت إمرة الجيش والمشاركة في العمليات العسكرية ضد قوات الدعم السريع.
ويحظى هلال بثقل قبلي في دارفور، وينتمي إلى نفس المكون القبلي الذي ينتمي إليه قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي»، ما يجعل تحركاته موضع متابعة في ظل الصراع الدائر في الإقليم.

الحكومة تدين الهجمات

بدورها، أدانت وزارة الخارجية السودانية ما وصفته بالهجمات «الممنهجة» التي تنفذها قوات الدعم السريع باستخدام الطائرات المسيرة.
وقالت الوزارة إن هذه الهجمات استهدفت مدناً وبنى تحتية حيوية، من بينها الأبيض وكوستي والدلنج.
وأضافت أن هذه العمليات تمثل «انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني» وترقى إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة والمحاسبة.
وطالبت الحكومة المجتمع الدولي، وعلى رأسه مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، باتخاذ موقف واضح يدين هذه الهجمات ويعمل على وقفها.

قرار أمريكي مثير للجدل

سياسياً، برز تطور جديد بعد إعلان وزارة الخارجية الأمريكية إدراج جماعة الإخوان المسلمين في السودان ضمن قائمة المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة بشكل خاص.
وقالت الوزارة: إن هذا القرار يأتي على خلفية ما وصفته باستخدام التنظيم «العنف غير المقيد ضد المدنيين بهدف تقويض الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع في السودان وتعزيز أيديولوجيته العنيفة».
وأضافت: «أن مقاتلين تابعين للتنظيم، تلقى عدد منهم تدريباً ودعماً من الحرس الثوري الإيراني، نفذوا عمليات إعدام جماعية بحق مدنيين خلال الحرب الدائرة في السودان».
وأشارت إلى أن لواء البراء بن مالك، المرتبط بتنظيم الإخوان المسلمين في السودان، أدرج بالفعل في ايلول/سبتمبر 2025 بموجب الأمر التنفيذي الأمريكي رقم 14098، بسبب ما وصفته واشنطن بدوره في الحرب الجارية في البلاد.
وأكدت الخارجية الأمريكية أن الخطوة تأتي ضمن جهود أوسع لمواجهة ما اعتبرته أنشطة تقوض الاستقرار في السودان والمنطقة.

دعوات لإدراج الدعم السريع
في قائمة الإرهاب

وفي ردها رحبت الحكومة السودانية بالقرار الأمريكي، لكنها دعت في الوقت نفسه إلى تصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية أيضاً، على خلفية ما قالت إنها انتهاكات موثقة للقانون الدولي الإنساني.

حراك سياسي تقوده الآلية الخماسية

في موازاة التطورات الميدانية، تتواصل الجهود السياسية لإيجاد مخرج للأزمة السودانية. فقد كثفت الآلية الخماسية اجتماعاتها مع القوى السياسية السودانية في العاصمة المصرية القاهرة.
وتضم الآلية الخماسية الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد»، وتعمل على تسهيل حوار سياسي سوداني-سوداني شامل، وتهدف إلى وقف الحرب ووضع أسس لانتقال سلمي في البلاد.
وتواصل اللجنة اجتماعاتها مع الأحزاب والقوى السياسية السودانية لبحث سبل إنهاء الحرب في السودان، وذلك ضمن مشاورات تعقد في العاصمة المصرية القاهرة.
وتأتي هذه اللقاءات في إطار ترتيبات تهدف إلى جمع رؤى القوى السياسية السودانية وصياغة تصور مشترك لمسار سياسي ينهي النزاع المستمر منذ ثلاثة أعوام، وسط ترتيبات لعقد اجتماعات إضافية مع أطراف سياسية أخرى خلال الفترة المقبلة.

رؤية حزب البعث

وخلال اجتماع مع ممثلي الآلية، قدم حزب البعث العربي الاشتراكي ـ الأصل رؤية وصفها بالمتكاملة لإنهاء الصراع.
وشدد الحزب على أن الأولوية القصوى يجب أن تكون لوقف إطلاق النار ومعالجة الآثار الإنسانية للحرب، بالتوازي مع تهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية للمواطنين.
واقترح الحزب إقامة سلطة انتقالية مدنية لمدة تتراوح بين 12 و18 شهراً تتولى إدارة البلاد وتنفيذ إصلاحات في القطاعين الأمني والعسكري، إلى جانب إطلاق برنامج اقتصادي إسعافي.

مقترحات حزب الأمة

كما عقد وفد من حزب الأمة القومي اجتماعاً مع الآلية الخماسية في القاهرة برئاسة مريم الصادق المهدي.
وأكد الحزب أن الأزمة الراهنة تتطلب مساراً سياسياً شاملاً يعيد بناء الدولة السودانية ويؤسس لانتقال مدني ديمقراطي.
واقترح الوفد عقد مائدة مستديرة وطنية تضم مختلف القوى السياسية لمناقشة القضايا الجوهرية المتعلقة بمستقبل البلاد.

لقاء مع الكتلة الديمقراطية

وفي السياق نفسه، عقد وفد من الكتلة الديمقراطية اجتماعاً مع ممثلي الآلية الخماسية في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة.
وشارك في اللقاء رئيس الآلية محمد بن شمباس إلى جانب ممثلين عن المنظمات الدولية والإقليمية المشاركة في المبادرة.
وطرحت الآلية خلال الاجتماع عدداً من الأسئلة حول تصور الكتلة الديمقراطية للعملية السياسية في السودان.
وقدمت الكتلة رؤية تقوم على إطلاق عملية سياسية سودانية ـ سودانية تستند إلى مبادئ وحدة البلاد واحترام سيادتها وشرعية مؤسساتها.
وتقترح الرؤية مسارين متوازيين: مساراً سياسياً يشارك فيه المدنيون لمعالجة قضايا الحكم والانتقال، ومساراً أمنياً تشارك فيه القوات المسلحة يستند إلى مرجعية إعلان جدة لوقف إطلاق النار ايار/مايو 2023.
وأكدت الكتلة ضرورة أن تكون العملية السياسية شاملة لجميع القوى السودانية باستثناء المتورطين في جرائم الحرب والإبادة الجماعية.

تحديات أمام التسوية

ورغم الحراك السياسي والدبلوماسي المتزايد، يرى مراقبون أن فرص التوصل إلى تسوية سياسية في المدى القريب لا تزال محدودة في ظل استمرار العمليات العسكرية وتصاعد استخدام الطائرات المسيرة واستهداف المناطق المدنية.
ويشير خبراء إلى أن تصاعد استهداف المدارس والمرافق الصحية والمناطق السكنية في المناطق البعيدة نسبيا من مناطق العمليات العسكرية يعكس مرحلة أكثر خطورة في الصراع، قد تؤدي إلى موجات نزوح جديدة وتفاقم الأزمة الإنسانية التي تعد بالفعل من بين الأسوأ في العالم.
وبينما تتواصل الجهود الدولية لوقف الحرب، يبقى المدنيون خاصة في مناطق المعارك في كردفان ودارفور الأكثر تضرراً من الحرب التي تكمل عامها الثالث بدون بوادر واضحة لنهايته.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير