لندن- “القدس العربي”:
يكتب نيكولاس مولدر، الأستاذ المساعد في جامعة كورنيل، في صحيفة فايننشال تايمز، أنه في حين أن قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز قد أرسل موجات صدمة عبر الاقتصاد العالمي، ورغم أنه يُنظر إلى التهديد الإيراني لحركة الشحن في الخليج على نطاق واسع باعتباره رداً غير متماثل على العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، فإن ما تقوم به طهران هو بالواقع إعادة إنتاج لسلاح لطالما استخدمته الولايات المتحدة هو العقوبات، إذ حولت نقطة اختناق حيوية في الاقتصاد العالمي إلى سلاح لإجبار خصمها على خفض التصعيد.
ويذكر مولدر، مؤلف كتاب السلاح الاقتصادي: صعود العقوبات كأداة في الحرب الحديثة، بأنها ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها إدارة دونالد ترامب ردود فعل من خصوم يستخدمون أسلحتهم الاقتصادية الخاصة. فعند عودته إلى السلطة، شن ترامب هجوماً على نظام التجارة العالمي من خلال فرض رسوم جمركية مرتفعة على الحلفاء والخصوم على حد سواء. وقد خضعت عدة دول حليفة للولايات المتحدة ووقّعت سريعاً اتفاقيات تجارية للحفاظ على علاقاتها مع واشنطن، إلا أن الاستجابة للتهديد الأمريكي لم تكن عالمية، إذ صمدت الصين وشنّت هجوماً مضاداً. وعندما أعلنت الولايات المتحدة عن ضوابط جديدة على الصادرات في أواخر عام 2025، ردّت بكين بفرض قيود على صادراتها من العناصر الأرضية النادرة المكررة.
في العقود التي تلت نهاية الحرب الباردة، احتكرت الولايات المتحدة إلى حد كبير استخدام العقوبات الكبرى. لكن هذا الوضع لم يعد قائماً، وفق مولدر، إذ أظهرت كل من إيران والصين أن عصر الهيمنة الأمريكية في الحرب الاقتصادية قد انتهى.
لقد أصاب سلاح المعادن الحيوية الصيني الشركات المصنعة الأمريكية في قطاعات الدفاع والطيران والسيارات، ما أدى إلى تأخيرات وخفض في الإنتاج في أمريكا الشمالية وأماكن أخرى. وفي نهاية المطاف، دفعت الضغوط الصينية على سلاسل الإمداد الأمريكية ترامب إلى التراجع. وكان الاتفاق الذي أُبرم مع شي جين بينغ في كوريا الجنوبية في تشرين الأول الماضي بمثابة هدنة صينية- أمريكية في مجال الإكراه الاقتصادي، وهي صامدة حتى الآن، حسب مولدر.
أما الآن، فأطلق ترامب من خلال حربه على إيران مجموعة أكبر بكثير من المخاطر، إذ يختبر العالم بأسره الأضرار التي يمكن أن تسببها سياسة الإكراه الاقتصادي إذ ما توسع نطاقها. ومن خلال الانتقال من سياسة “الضغط القصوى” بالعقوبات على إيران إلى الحرب المفتوحة، دفعت الولايات المتحدة الإيرانيين إلى استخدام سلاح اقتصادي خاص بهم، وهو قطع نحو 20% من تدفقات النفط والغاز إلى العالم وثلث تجارة الأسمدة العالمية التي تمر عبر مضيق هرمز، مع فرض هذا الإغلاق بالصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام.
ويسأل مولدر: “ماذا يعني نهاية العصر الأحادي القطبية في الحرب الاقتصادية بالنسبة للاقتصاد العالمي؟ من الواضح أن الولايات المتحدة وحلفاءها سيواجهون مواجهات صعبة، خصوصاً عند السعي لاستخدام العقوبات في سوق النفط. فقد تسبب الحصار الإيراني في صدمة كبيرة في أسعار الطاقة، دفعت إدارة ترامب إلى التخفيف مؤقتاً من عقوباتها على النفط الروسي”.
أما الاتحاد الأوروبي الذي احتفل مؤخراً بقرب انفصاله عن الغاز الروسي، فقد يجد نفسه مضطراً إلى مواصلة شراء الطاقة من روسيا لتجنب أضرار اقتصادية. وهكذا، فإن التصدي لتبعات تفعيل إيران لسلاح حجب النفط استلزم خفض مستوى الحرب الاقتصادية على موسكو. ومع ذلك، فإن لجوء دول أخرى إلى الضغط الاقتصادي بشكل متزايد لا يعني أنها ستحقق نتائج أفضل من الولايات المتحدة، إذ إن فشل العقوبات ظاهرة موثقة تاريخياً، وفق مولدر.
ويشير مولدر إلى أن الحصار الاقتصادي الذي فرضه جيران قطر في الخليج بين عامي 2017 و2021 لم يحقق أهدافه. كما فشلت العقوبات التي فرضتها الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا في إصلاح العلاقات مع الأنظمة العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وكذلك فإن استخدام الصين لضوابط تصدير العناصر الأرضية النادرة ضد اليابان، وحظرها واردات الفحم الأسترالي، جعلا طوكيو وكانبيرا أكثر عداءً لبكين لا أقل.
ولا يعتبر الكاتب ذلك مفاجئاً، إذ إنه على امتداد تاريخ الإكراه الاقتصادي، غالباً ما يدفع الاستخدام المستمر للعقوبات الدول المستهدفة إلى زيادة اعتمادها على نفسها والبحث عن شركاء جدد. إن تنويع أنماط التجارة يضعف تأثير الضغط مع مرور الوقت. فبعد عام 2022، أعادت روسيا توجيه تجارتها نحو الاقتصادات الآسيوية لتجنب العقوبات. كما تفاعلت الشركات الصينية مع الرسوم الجمركية الأمريكية بنقل الإنتاج إلى الخارج، وخففت من أثر قيود تصدير الرقائق عبر تسريع الابتكار المحلي. وفي اقتصاد عالمي مثقل بالعقوبات كما هو اليوم، قد يؤدي المزيد من الضغط إلى عوائد متناقصة.