لندن- “القدس العربي”:
نشرت مجلة “ذي أتلانتك” تقريرا أعده بريان تينهيل، قال فيه إن الولايات المتحدة تستطيع السيطرة على جزيرة خرج، أهم ميناء لتصدير النفط الإيراني، بسهولة، لكنها ستواجه تحديات أخرى، وقد تدخل واشنطن في حرب استنزاف طويلة.
وتقع الجزيرة على بعد 32 كيلومترا من البر الإيراني، وربما تكون مفتاح انتصار إدارة ترامب في الحرب التي أشعلتها، وقد تكون أيضا سببا في هزيمة أمريكا.
فالجزيرة صغيرة جدا وذات جغرافيا صخرية، ولا تزيد مساحتها عن 14 كيلومترا مربعا، ولا يتعدى عدد سكانها 20,000 نسمة، معظمهم من عمال النفط. كما أنها نقطة انطلاق لنحو 90% من صادرات النفط الإيرانية.
شنت الولايات المتحدة غارات على أهداف عسكرية في خرج في 13 آذار/مارس، وتشير التقارير الآن إلى أنها تفكر في غزوها
وقد شنت الولايات المتحدة غارات على أهداف عسكرية في خرج في 13 آذار/مارس، وتشير التقارير الآن إلى أنها تفكر في غزوها.
وتقوم الفكرة على أن فتح مضيق هرمز يتأتى من خلال السيطرة عليها، فقد عززت إيران سيطرتها على أسواق النفط العالمية بإغلاقها الفعلي لهرمز. وقد استثنى النظام الإيراني ناقلات النفط التي تحمل نفطه، ويقال إنه صدر ما لا يقل عن 16 مليون برميل منذ بدء الحرب. لكن دول الخليج الأخرى عجزت، إلى حد كبير، عن نقل نفطها، ما أدى إلى زيادة إيرادات إيران مع ارتفاع أسعار النفط الخام. وقد عزز الإيرانيون هذا الوضع باستهداف خطوط الأنابيب في شبه الجزيرة العربية، التي تتجاوز مضيق هرمز. كما أن الحوثيين المتحالفين مع إيران في اليمن قادرون، إذا ما أرادوا، على إغلاق مضيق باب المندب، بين البحر الأحمر وخليج عدن، ما قد يؤدي إلى إغلاق قناة السويس.
وتعلق المجلة أن احتمال إغلاق إيران لمضيق هرمز طالما كان خطرا محتملا في حال اتخاذ أي إجراء عسكري ضد الجمهورية الإسلامية. لكن يبدو أن إدارة ترامب افترضت أن الإغلاق سيضر بصادرات النفط الإيرانية أيضا، ما قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية وربما حتى انهيار النظام.
ومع ذلك، تواصل إيران تصدير النفط، الأمر الذي يدعم اقتصادها المتعثر ويمكن النظام من مواصلة القتال.
وتقوم فكرة النصر لدى النظام الإسلامي على قدرة إيران على تحمل الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية لفترة أطول من قدرة أمريكا على تحمل التداعيات الاقتصادية والضغوط الناجمة عن إغلاق المضيق. وإذا تضررت دول الخليج وغيرها من الدول التي تعطلت تجارتها بشدة، فربما دفعت الولايات المتحدة إلى إنهاء الحرب، حتى بشروط مواتية نسبيا لإيران. كما أن ارتفاع أسعار الغاز، وأسعار السلع الاستهلاكية الأخرى، قد يدفع إدارة ترامب إلى السعي لإنهاء الصراع قبل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة.
ومن هنا، فإن الاستيلاء على خرج سيمنح الولايات المتحدة ورقة ضغط مهمة ويقوض نظرية النصر الإيرانية. وستجد إيران نفسها أمام الضغوط نفسها التي تحاول فرضها على أمريكا وحلفائها من خلال إغلاق المضيق، لأنها ستعجز عن تصدير معظم نفطها.
“ورقة ضغط”
وقد تواصل الولايات المتحدة حملتها الجوية حتى تقرر إيران قبول الشروط الأمريكية لإنهاء الحرب، بدلا من الاستمرار في المعاناة من الدمار الاقتصادي. وربما كان هذا سبب توجيه الولايات المتحدة، في الأسبوع الماضي، الوحدة الاستكشافية البحرية 31 من اليابان إلى الشرق الأوسط. وتعمل هذه الوحدة على متن السفينة يو إس إس تريبلوي (طرابلس)، وهي سفينة هجومية برمائية من فئة أمريكا. ويقال إنها تحمل قوة تدخل سريع تتراوح بين 2,200 و2,500 جندي من مشاة البحرية.
ومع أن نقل وحدة كهذه إلى مسرح عمليات مختلف ليس بالأمر الهين، فإن عدد القوات المشاركة كاف للسيطرة على الجزيرة، لكنه غير كاف للسيطرة على الجانب الإيراني من المضيق، ما يشير بقوة إلى أن الولايات المتحدة لديها نوايا خفية تجاه جزيرة خرج. ولا بد أن يسبق أي غزو للجزيرة، على الأرجح، غارات جوية على أي أهداف عسكرية متبقية فيها، بالإضافة إلى الأهداف القادرة على تهديدها من البر الإيراني.
لا يزال الخليج العربي منطقة خطيرة على السفن الحربية الأمريكية، لذا من المحتمل أن تبقى حاملة الطائرات تريبلوي على مسافة من الجزيرة، وأن يتم إنزال قوات المارينز على الشاطئ بواسطة طائرات إم في-22 أوسبري
ولا يزال الخليج العربي منطقة خطيرة على السفن الحربية الأمريكية، لذا من المحتمل أن تبقى حاملة الطائرات تريبلوي على مسافة من الجزيرة، وأن يتم إنزال قوات المارينز على الشاطئ بواسطة طائرات إم في-22 أوسبري. وسيكون هدفهم الأول هو الاستيلاء على المنشآت التي قد تسمح لإيران بإدخال القوات والمعدات الثقيلة، مثل مدرج مطار خرج البالغ طوله 5,922 قدما. وستقدم الولايات المتحدة دعما جويا للقضاء السريع على جيوب المقاومة.
وقد تسيطر الولايات المتحدة على جزيرة خرج بسرعة نسبية، إلا أن المشكلة هي الحفاظ عليها، وربما تحولت السيطرة إلى كارثة.
فقد تأمر إيران قواتها بإحراق منشآت النفط هناك، كما فعل صدام حسين بحقول النفط الكويتية في حرب الخليج، مما سيؤدي إلى تلوث المنطقة وإصابة القوات الأمريكية بالأمراض. وفي جزيرة خرج الصغيرة، ستكون القوات الأمريكية أقل قدرة على الوصول إلى المعدات اللازمة لمواجهة هذه المشكلة مقارنة بسابقاتها في الكويت، ولن تتمكن من الابتعاد بسهولة عن النيران أو التحرك عكس اتجاه الريح. وبدون هذه التكتيكات، قد يجعل الإيرانيون السيطرة على خرج أمرا بالغ الصعوبة. فمن المرجح أن تستغرق العملية أكثر من 15 يوما، وهي المدة التي يمكن أن تعمل فيها وحدة استكشافية دون دعم لوجستي.
وتقع خرج على بعد 140 ميلا من المواقع الأمريكية في مدينة الكويت، لكنها قريبة جدا من الساحل الإيراني. وستكون سفن الإمداد عرضة ليس فقط لنيران صواريخ كروز، بل أيضا لـ”أسطول البعوض” الإيراني، الذي يضم طائرات مسيرة آلية، تسمى أحيانا بالسفن السطحية بدون طيار.
كما ستكون مهمة الإمداد جوا محفوفة بالمخاطر أيضا. ونظرا للمسافة بين الجزيرة والكويت، فمن المرجح أن تقتصر الدفاعات الجوية الأمريكية هناك على صواريخ أرض-جو محمولة على الكتف “مانباد”، التي قد يحملها جنود المارينز، بالإضافة إلى دوريات من الطائرات المقاتلة الأمريكية. وهذه الصواريخ قادرة على اعتراض الطائرات المسيرة، لكنها غير قادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية.
ويمكن لإيران استخدام صواريخها الباليستية لتدمير مدرج مطار خرج، ما يمنع طائرات الشحن الأمريكية من الهبوط فيه. وربما تفتقر طهران إلى القدرة على القيام بذلك بضربة دقيقة بعيدة المدى، لكن خرج تقع ضمن مدى صواريخها الباليستية قصيرة المدى العديدة. ويكفي وابل من هذه الصواريخ أن يصيب هدفا واحدا لجعل المدرج غير صالح للاستخدام. وإذا ما اندلعت حرائق نفطية، فقد تزيد من صعوبة الوصول الجوي إلى الجزيرة.
وقد تستولي القوات الأمريكية على جزيرة خرج، لتواجه غارات صاروخية باليستية وهجمات بطائرات مسيرة ودخانا بتروكيماويا، كل ذلك دون وسيلة موثوقة للحصول على دعم لوجستي. وقد تكون النتيجة حرب استنزاف طاحنة تشبه، إلى حد كبير، ساحة المعركة في أوكرانيا، أكثر من كونها حملات “الصدمة والترويع” التي اعتاد عليها الأمريكيون.
وقد أبدت إيران كل المؤشرات على أنها ستصعد الموقف، على الأرجح، بضرب منشآت النفط والغاز في المنطقة، كما فعلت مع قطر والسعودية بعد استهداف حقل غاز بارس الجنوبي. ومن شبه المؤكد أن الخسائر في صفوف القوات البرية وتدمير البنية التحتية النفطية في جميع أنحاء المنطقة سيزيدان من الضغط على دونالد ترامب للانسحاب، لكن إجلاء القوات تحت وطأة الذخائر المتسكعة أمر خطير، فيما ستكون الطائرات على الأرض أهدافا رئيسية لهذه الطائرات المسيرة المحلقة.
وفي المقابل، إذا تمكنت الولايات المتحدة من الاستيلاء على خرج والاحتفاظ بها، فقد يجد النظام الإيراني نفسه عاجزا عن تصدير نفطه وغير قادر على البقاء. وستجبر إيران حينها على منح الولايات المتحدة بعضا، بل وربما الكثير، مما تريده مقابل السيطرة على الجزيرة. وهذه واحدة من الطرق التي يمكن لترامب من خلالها الحصول على المخرج الذي يرغب فيه. لكن إدارته لم تجرب أمرا كهذا، فعملية تتضمن الاستيلاء على أراض داخل أراضي الخصم، ثم الاحتفاظ بها حتى وقف إطلاق النار، تنطوي على مخاطر جمة وتصعيد من المؤكد أن ترد إيران عليه.