فتحت لحظة الصدام الراهنة في الشرق الأوسط فصلاً مكثفاً من تحولات النظام الدولي، واتسعت دوائر ارتدادها من الخليج العربي إلى مضيق تايوان، ومن الجبهة الأوكرانية إلى أسواق الطاقة العالمية. وبينما تنشغل الشاشات بالضربة التالية، تتحرك بكين وموسكو بمنطق أكثر برودة: كيف يتحول الاستنزاف الأمريكي إلى فرصة استراتيجية طويلة الأجل؟ وكيف يُستثمر انكشاف حدود القوة الأمريكية عبر أكثر من مسرح في آن واحد؟
روسيا والطفرة النفطية الجديدة
تعرض التلفزيونات الحرب بوصفها اشتباكاً نارياً مفتوحاً، لكنها تمر سريعاً على أحد أهم آثارها البنيوية: الاضطراب الذي يصيب أسواق الطاقة العالمية. ولعل روسيا أكبر المستفيدين منه على الإطلاق. فمع تصاعد التوتر في مضيق هرمز وتهديد منشآت النفط والغاز، ارتفعت أسعار الطاقة إلى مستويات منحت الاقتصاد الروسي متنفساً واسعاً بعد سنوات من الضغوط والعقوبات الغربية.
في الحسابات الباردة، فتحت هذه الحرب لموسكو نافذة ثمينة. فالطلب المرتفع، وارتباك الأسواق، وحاجة المستوردين إلى الإمدادات، كلها عوامل تآكل معها جزء مهم من فعالية السقف السعري والقيود الغربية السابقة. وتتدفق عائدات النفط إلى الخزانة الروسية بوتيرة تمنح الكرملين مجالاً أوسع لتمويل آلته العسكرية وتثبيت جبهته الداخلية، ليتحول النفط من مجرد سلعة إلى أداة استراتيجية فعالة تعيد من خلالها موسكو بناء احتياطاتها وتوسيع هامش المناورة، فيما يجد الغرب نفسه أمام معضلة تجمع بين تهدئة الأسواق ومواصلة الضغط السياسي على روسيا.
تايوان وفراغ القوة في المحيط الهادئ
إذا كانت الشاشات منشغلة على مدار الساعة بصور الاعتراضات الصاروخية فوق الشرق الأوسط، فإن بكين تنظر إلى تلك الصور من زاوية مختلفة تماماً. فهي ترى استنزافاً يتسلل إلى قلب منظومة الردع الأمريكية في آسيا. وتدرك القيادة الصينية أن كل انخراط أمريكي إضافي في الشرق الأوسط يعيد توزيع القطع العسكرية والذخائر والانتباه الاستراتيجي بعيداً عن غرب المحيط الهادئ.
تمثل تايوان بالنسبة للصين أكثر ملفاتها القومية حساسية في مشروع التوحيد، ومع تحوّل البوصلة العسكرية الأمريكية نحو الشرق الأوسط، تبدو اللحظة مواتية لاختبار حدود الجهوزية الأمريكية. وفي تقدير بكين، فإن سحب قطع بحرية رئيسية من محيط آسيا، أو إعادة توجيه أنظمة دفاعية وذخائر نوعية إلى الشرق الأوسط، يحمل دلالة تتجاوز التكتيك العسكري المباشر؛ إنه استنزاف يضعف مشهدية الردع الأمريكي في شرق آسيا، ويمنح الصين مساحة مناورة أوسع. فكل صاروخ اعتراضي يُطلق في سماء الشرق الأوسط يقتطع من المخزون المخصص لحماية ترتيبات الردع الأمريكية في أماكن أخرى، وعلى رأسها تايوان.
أوكرانيا وتقلص المظلة الدفاعية
في الجهة الأخرى من العالم، تبدو أوكرانيا واحدة من أكثر الأطراف حساسية تجاه نتائج هذا التحول. ففي كييف يتشكل قلق من نوع آخر: قلق مرتبط بتقلص الإمدادات، وتأخر الشحنات، وتراجع الأولوية داخل الحسابات الأمريكية والغربية. يعتمد الأوكرانيون، إلى حد بعيد، على الدعم العسكري الغربي، وخاصة في مجال الدفاعات الجوية والصواريخ الاعتراضية والذخائر المتقدمة. ومع احتدام الجبهة الإيرانية، بدأت مؤشرات واضحة تظهر على إعادة توجيه بعض القدرات، أو على الأقل إعادة ترتيب الأولويات بما يخدم حماية القواعد الأمريكية وحلفائها المباشرين في الشرق الأوسط. وهذا التحول يمنح موسكو ميزة استراتيجية ثمينة. فكل يوم تنشغل فيه واشنطن أكثر في الشرق الأوسط يعني احتمالاً أكبر لتآكل القدرة الدفاعية الأوكرانية أو لإبطاء تدفق الأدوات التي حافظت على تماسك الجبهة الأوكرانية طوال المراحل السابقة.
الظهير اللوجستي الروسي لطهران
لا تقتصر استفادة موسكو على الأثر غير المباشر للحرب، بل تمتد أيضاً إلى توسيع أشكال الإسناد التي ترفع كلفة الاستنزاف الأمريكي. وتلمّح بعض الشاشات الغربية والتقديرات الاستراتيجية إلى أشكال من التعاون الروسي مع طهران تتراوح بين تبادل الخبرة والدعم التقني وتوسيع هامش المعرفة الاستخباراتية، بما يعزز القدرة الإيرانية على إطالة أمد المواجهة ورفع كلفة أي عمل عسكري أمريكي أو إسرائيلي.
وسواء ثبتت هذه الروايات كلها أم بقي بعضها في منطقة التقدير، فإن المغزى السياسي يبدو واضحاً: موسكو تنظر إلى الحرب في الشرق الأوسط بوصفها فرصة استراتيجية ثمينة لإغراق واشنطن في مسرح إضافي من الاستنزاف، بما يخفف الضغط النسبي على الجبهة الروسية في أوروبا الشرقية.
الاقتصاد كأداة ضغط صينية
إذا كانت روسيا تستفيد من ارتفاع الطاقة، فإن الصين تدير الأزمة بمنطق مختلف وأكثر تركيباً. فبكين، بوصفها أكبر مستورد للنفط في العالم، تتضرر من ارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات، لكنها تقرأ الأزمة أيضاً كورقة مساومة كبرى داخل التنافس مع واشنطن. فالحرب تربك الولايات المتحدة عسكرياً، وتضعها أيضاً في موقع يحتاج إلى تهدئة الأسواق وضبط الإقليم ومنع انفجار أوسع يربك الاقتصاد العالمي كله. ومن هنا تستطيع الصين أن تقدم نفسها، في الخطاب الدبلوماسي والاقتصادي، كقوة استقرار أو كوسيط محتمل أو كشريك قادر على تهدئة بعض المسارات، في مقابل مناخ دولي أقل عدائية تجاه مصالحها الاستراتيجية. وإلى جانب ذلك، تراقب دول الخليج حدود القدرة الأمريكية على توفير حماية ثابتة في بيئة إقليمية شديدة التقلب، ما يرفع جاذبية الصين كشريك طويل الأمد في مجالات الاستثمار، والبنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة.
ميزان القوى في مهب التحول
ما يجري اليوم في إيران يتجاوز حدود الحرب الإقليمية. إنها لحظة اختبار كبرى لقدرة الولايات المتحدة على إدارة أكثر من مسرح استنزاف في وقت واحد، وللقدرة على الحفاظ على صدقية الردع وسرعة الإسناد وتماسك التحالفات. وفي المقابل، تمنح هذه اللحظة الصين وروسيا فرصة نادرة للعمل بمنطق «الإنهاك بالنقاط»: دفع واشنطن إلى توزيع قوتها وتبديد مخزونها وإضعاف قدرتها على فرض الإيقاع وحدها.
لهذا كله، تبدو الحرب الإيرانية واحدة من أكثر اللحظات دلالة على التآكل المتسارع في بنية القطبية الواحدة. ويترقب الجمهور على الهواء مباشرة كيف ستخرج واشنطن من هذه الورطة، لكن السؤال الأهم يتعلق بما أطلقته الحرب بالفعل من تحولات يصعب التراجع عنها سريعاً. فحتى لو سكتت المدافع غداً، فإن الضرر الذي أصاب صورة الردع الأمريكي، والفراغات التي اختبرت الصين إمكان ملئها، والمكاسب التي راكمتها روسيا على هامش النار، كلها دفعت العالم خطوة إضافية نحو عصر جديد؛ عصر تنشغل فيه الشاشات بالحريق المنظور، بينما ينهمك التاريخ، خارج الكادر، في إعادة ترتيب ميزان القوة العالمي.
٭ إعلامية وكاتبة لبنانية