في الأيام الأخيرة، بدا أن ترامب قد أدرك أنه دخل في حربٍ تُشبه حرب أوكرانيا. ومثل فلاديمير بوتين، الذي كان مقتنعًا بأن أوكرانيا ستنهار سريعًا أمام النفوذ الروسي، يُدرك ترامب الآن أيضًا أن إشعال الحروب سهل، لكن إنهاءها بنتيجة حاسمة أمر في غاية الصعوبة.
فلئن اعتقد في البداية أن الحرب ستُحسم بإقصاء القيادة وربما بهجوم نووي، فقد بات واضحًا الآن لجميع الأطراف أن الحرب تدور حول مضيق هرمز، وهذا هو العامل الحاسم الذي سيُحدد مدة الحملة. لقد أدرك الإيرانيون منذ البداية ما يدركه ترامب الآن: أن مضيق هرمز ورقتهم الرابحة في الحرب، ورافعة ضغط هائلة على الرئيس الأمريكي والاقتصاد العالمي. لقد أمضوا سنوات في بناء القدرة على إغلاق المضيق، وحتى الآن، رغم فقدانهم الأسطول، يفعلون ذلك بسهولة نسبية.
تلقى نظامهم ضربات موجعة، ولا يزال يتلقى، لكنه ثابت. تضررت صناعتهم العسكرية بشكل سيستغرق سنوات لإعادة بنائها، ويشعر شعب النظام بالتهديد ويتصرفون كما لو كانوا مضطهدين، ومع ذلك، يصعب رصد أي تصدعات جوهرية في استقرار النظام. هدفهم الآن هو البقاء وحماية معقلهم: مضيق هرمز. إذا استمروا على هذا المنوال، فستصبح أسعار الوقود في محطات البنزين بالولايات المتحدة باهظة للغاية بالنسبة لترامب.
لا يملك الأمريكيون القدرة العسكرية على فتح المضيق. لقد تعلموا ذلك بالطريقة الصعبة في اليمن، حيث قادوا تحالفًا دوليًا واسعًا فشل في فتح باب المندب، وانتهى به الأمر بالاستسلام في اتفاق مع الحوثيين. إيران لا تقل عزيمة عن الحوثيين، بل هي أقوى منهم بكثير.
في مواجهة سيطرة إيران على المضيق، يمتلك ترامب ورقة رابحة ضد إيران، ألا وهي النفط. وقد اتخذت الولايات المتحدة بالفعل الاستعدادات للسيطرة على جزيرة خرج، التي يمر عبرها 90 في المئة من صادرات النفط الإيرانية، لكن إيران تمتلك بنية تحتية إضافية لمواصلة تصدير النفط. لكن ثمة أمر واحد لا تملك إيران رداً عليه: مهاجمة حقول النفط، ما قد يدمر الاقتصاد الإيراني ويحولها إلى دولة شبه معدومة.
سيكون ثمن هذا الهجوم ارتفاعاً حاداً آخر في الأسعار، فضلاً عن ضربة قاسية للشعب الإيراني، الذي نأمل جميعاً أن يتعافى ويحل محل النظام. لذلك، قد يكون التهديد وحده كافياً: قد يعلن ترامب استعداده لمنح إيران حصانة لإنتاج النفط إذا فتحت المضيق، وإلا فسيدمره. هذه صفقة قد تمنح الإيرانيين، وترامب أيضاً، مخرجاً مشرفاً من الحرب.
في غضون ذلك، تستغل إسرائيل كل يوم لتقويض القدرات الإيرانية إلى أقصى حد. في بداية الحرب، تم تحديد ثلاث فئات من الأهداف: الضرورية، والأساسية، والمهمة. اليوم، تم تدمير 85 في المئة من الأهداف الضرورية، ويتجه سلاح الجو للتعامل مع الأهداف الأساسية. وتتعرض الصناعة العسكرية الإيرانية، بجميع جوانبها، لأضرار بالغة، بدءًا من المصانع التي تنتج البراغي وصولًا إلى مراكز الأبحاث في الجامعات.
لقد أرهقت هذه الجهود المضنية قواتنا الجوية أيضًا. ففي بداية الحرب، كانت القوات الجوية تُرسل ثلاثة “قطارات” من الطائرات إلى إيران يوميًا، يحمل كل قطار منها عشرات الطائرات. أما في الأيام الأخيرة، فقد انخفض هذا العدد إلى قطارين فقط في اليوم.
تعمل قواعد القوات الجوية بكفاءة عالية: جداول بيانات دقيقة على برنامج “إكسل” تُسجل أوقات صيانة الطائرات، بالإضافة إلى ساعات نوم الطيارين. من الصعب ألا يُعجب المرء بتفاني العاملين الرائعين هناك، سواء على الأرض أو في قمرة القيادة. فريقٌ من خمسين فنيًا، بالكاد ناموا طوال ثلاثة أسابيع، يُسرعون لتجهيز كل طائرة للرحلة التالية في وقت قصير.
في السرب، ستلتقي أيضاً بأطقم الطائرات، بمن فيهم جنود احتياط في الخمسين من عمرهم وطيارون شباب، يعيشون في دوامة من الهجمات منذ ثلاثة أسابيع: الاستيقاظ صباحاً، ساعة من الإحاطة قبل الرحلة، رحلة طيران تستغرق أربع ساعات إلى إيران والعودة، جلسة تقييم، طعام، ثلاث ساعات من النوم، ثم الانطلاق في الرحلة التالية.
يتناول بعضهم حبوب مودافينيل أو كافيين للبقاء متيقظين. وفي قمرة القيادة، يحملون معهم المكسرات والشوكولاتة وألواح البروتين للبقاء مستيقظين. يعاني الكثير منهم بالفعل من آلام في الرقبة نتيجة الرحلات الطويلة، وعند هبوطهم، ينتظرهم فريق من المتخصصين في العلاج الطبيعي لتخفيف آلامهم. كما تظهر على وجوه الكثيرين آثار احتكاك نتيجة ساعات العمل الطويلة مع قناع الأكسجين والخوذة.
يحاول قادة الأسراب لمس أفراد الطاقم، لمعرفة من هو متعب ومن هو غير مركز بما فيه الكفاية. يُرسلون إلى منازلهم لمدة 24 ساعة للنوم في أسرّتهم واستعادة قوتهم. على الرغم من أن القوات الجوية قد حققت حرية العمليات فوق إيران، فإن التهديدات لا تزال قائمة على الأرض، ويبقى الخوف من حدوث عطل فني قائماً. إن وجود عشرات الطائرات ذات المحرك الواحد فوق إيران ليلاً ونهاراً يُبقي كبار القادة في حالة تأهب دائم.
لهذا السبب يشارك كبار القادة أيضاً في طلعات جوية عملياتية، لأن كل طلعة يشاركون فيها تُتيح للطيارين فرصة للراحة لفترة أطول. بدا الطيارون الذين قابلتهم هذا الأسبوع عازمين، واثقين من مهمتهم وقدراتهم، ومرهقين للغاية. إلى متى سيستمرون على هذا المنوال؟ لست متأكداً من إمكانية الإجابة عن هذا السؤال بالإجابة العسكرية المعتادة ” كلما دعت الحاجة”.
المؤسف في هذه القصة هو أنه بينما يُخاطر أفضل رجالنا بأنفسهم في سماء إيران، فإن أولئك الذين أرسلوهم إلى هذا الجحيم بتمريرهم تشريعات الانقلاب يستغلون الوقت الذي يقضونه في قمرة القيادة لتغيير وجه البلد الذي يدافع عنه هؤلاء الطيارون. يحتفل الإيرانيون اليوم برأس السنة الفارسية، نوروز، على أمل أن يحمل العام الجديد معه تغييراً في حياة هذه الأمة العريقة، التي تستحق نظاماً مختلفاً. ونحن أيضاً.
معاريف 27/3/2025