تغيير حجم الخط     

ابتسامة واشنطن ليست مجانية.. وعلى الزيدي كبح نفوذ إيران وإعادة تعريف «الحشد»

مشاركة » الأربعاء إبريل 29, 2026 11:45 pm

7.jpg
 
بغداد/ تميم الحسن

تشير تقديرات سياسية إلى أن واشنطن منحت موافقة مبدئية على تكليف علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية التاسعة، غير أنها ربطت هذا الدعم بشروط غير معلنة، أبرزها «إنهاء النفوذ الإيراني» داخل مؤسسات الدولة، و«إعادة ضبط دور الحشد الشعبي».
الزيدي، رجل الأعمال والملياردير، اختار في أول تصريح له بعد التكليف مساء الاثنين الماضي، لغة توافقية، معلناً عزمه على العمل مع جميع القوى السياسية لتشكيل حكومة «تستجيب لمطالب المواطنين».
وبحسب وثيقة متداولة، فإن 9 من أصل 12 عضواً في «الإطار التنسيقي» صوّتوا لصالح تكليف الزيدي، بعد 170 يوماً من مفاوضات وُصفت بأنها من أكثر جولات التفاوض الشيعي تعقيداً منذ سنوات.
الموقف الأميركي: دعم معلن ورسائل مشروطة
في تطور لافت، أعربت بعثة الولايات المتحدة في العراق، أمس الأربعاء، عن تأييدها لرئيس الوزراء المكلّف، مؤكدة دعمها لجهوده في تشكيل حكومة «قادرة على تحقيق تطلعات العراقيين ودعم مستقبل أكثر إشراقاً وسلاماً».
هذا الموقف فتح باباً واسعاً للتأويلات، إذ قرأه السياسي المستقل والنائب السابق مثال الألوسي بوصفه رسالة سياسية دقيقة، لا تصدر عن الخارجية أو الإدارة الأميركية مباشرة، بل عن «بعثة ميدانية»، ما يعكس – بحسب تعبيره – طبيعة الشروط المضمرة التي تُرسم لحكومة الزيدي.
ويقول الألوسي إن الرسالة الأميركية تحمل أولوية واضحة: «الدولة أولاً، لا العقائد»، في إشارة إلى رفض أي اصطفافات ضمن ما يسمى «محور المقاومة» أو الفصائل المسلحة ذات البعد الطائفي.
ويضيف أن واشنطن – وفق هذا الفهم – تريد حكومة عراقية لا تخضع لهيمنة إيران أو وكلائها السياسيين والعسكريين، وتعمل على تفكيك البنى المسلحة غير النظامية، بما في ذلك استخدام اسم الحشد الشعبي في أنشطة خارج الدولة.
كما يذهب الألوسي أبعد من ذلك حين يؤكد أن الرسالة الأميركية «تحدد سقفاً واضحاً للحكومة المقبلة»، يقوم على مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله، وإعادة ضبط الفصائل التي تعمل خارج القانون، ومنع أي تغطية سياسية أو مالية لمصالح خارجية، خصوصاً الإيرانية في العراق والمنطقة.
ويرى الألوسي أن نجاح الزيدي مرهون بقدرته على بناء «حكومة وطنية مدنية مستقلة»، وإلا فإن البدائل ستكون قاسية، تبدأ من فشل سياسي مبكر وصولاً إلى سيناريوهات أكثر تعقيداً، مثل تمديد حكومة تصريف الأعمال أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة تحت إشراف دولي غير مباشر، بما يشبه «إعادة تدويل» المسار السياسي العراقي.
ويشير إلى أن المرحلة الحالية ليست امتداداً طبيعياً للسياسات السابقة، بل نقطة تحول تتداخل فيها الضغوط الدولية مع الانسداد الداخلي، في ظل تصاعد العقوبات والملاحقات الأميركية المرتبطة بقيادات مسلحة داخل العراق.
وجددت البعثة الأميركية في بيان لها تضامنها مع الشعب العراقي، مؤكدة دعمها لما وصفته بـ«الأهداف المشتركة» المتمثلة في صون سيادة العراق، وتعزيز الأمن في مواجهة الإرهاب، وبناء مستقبل مزدهر ينعكس بشكل ملموس على العراقيين والأميركيين على حد سواء.
ويأتي هذا الموقف في سياق تصاعد لافت في حزمة العقوبات والملاحقات التي أعلنتها واشنطن مؤخراً، والتي طالت عدداً من القيادات المسلحة داخل العراق، بينهم شخصيات تنتمي إلى معسكرات سياسية متقابلة داخل «الإطار التنسيقي».
فيتو أميركي واصطفافات داخل “الإطار»
وفي قراءة أكثر حدّة للمشهد، يؤكد الألوسي أن «الفيتو الأميركي» السابق ضد ترشيح نوري المالكي، لا يقتصر على شخصه، بل يمتد – بحسب تعبيره – إلى رفض أي حكومة تخضع لمنطق «محور المقاومة».
ويضيف أن الصراع داخل «الإطار التنسيقي» لم يعد محصوراً بين المالكي والسوداني، بل بين مشروعين: أحدهما يسعى لإعادة إنتاج نفوذ الفصائل، وآخر يحاول إعادة تقديم السوداني أو بدائل مشابهة ضمن صيغة أكثر قبولاً دولياً.
ويخلص إلى أن فشل الإطار في فرض مرشحه خلال المهلة الدستورية أدى إلى فقدانه زمام المبادرة، وفتح الباب أمام فرض اسم الزيدي كخيار تسوية في اللحظة الأخيرة.
ومع انتهاء المهلة الدستورية، اعتبر مراقبون أن «الإطار التنسيقي» وجد نفسه خارج معادلة القرار الصلب، ما دفعه إلى قبول صيغة الزيدي كحل لتفادي فراغ سياسي طويل.
لكن هذا الحل، وفق التحليل ذاته، لا يُغلق الأزمة بقدر ما ينقلها إلى مرحلة جديدة، يكون فيها رئيس الوزراء المكلف محاطاً بشروط داخلية وخارجية متشابكة، تبدأ من توازنات الإطار ولا تنتهي عند حسابات واشنطن وطهران.
ويرجَّح أن يواجه علي الزيدي صعوبات مبكرة في إدارة ملف توزيع الحقائب الوزارية، رغم إعلان «الإطار التنسيقي» منحه حرية اختيار كابينته الحكومية. غير أن هذه الصيغة، بحسب التجارب المتكررة في تشكيل الحكومات العراقية، كثيراً ما تبقى في إطارها الشكلي، قبل أن تنتهي عملياً إلى فرض أسماء بعينها على رئيس الوزراء المكلف.
وبحسب معلومات سياسية متداولة، يطالب فريق محمد شياع السوداني بالحصول على ثلاث حقائب وزارية، من بينها حقيبتان سياديتان على غرار المالية والخارجية، إضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء لشؤون الخدمات، في سياق ما تصفه أوساط مقربة من السوداني بأنه استكمال لـ«مشروع المجسرات» الذي تبناه خلال فترة رئاسته للحكومة.
في المقابل، يبدو أن أمام الزيدي فترة زمنية محدودة لتقديم كابينته الوزارية إلى البرلمان، على أن تنال ثقة «النصف زائد واحد» من الأعضاء، أي ما يقارب 165 نائباً، قبل دخول البرلمان في عطلة موسمية مرتبطة بموسم الحج.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 80 نائباً يغادرون عادة خلال هذه الفترة من كل عام، ما يعني أن نافذة تمرير الحكومة قد تصبح أكثر ضيقاً، وتضع عملية التصويت أمام ضغط زمني إضافي قد يهدد اكتمال المسار الدستوري في موعده.
وكان قد بدا اختيار علي الزيدي غير مفاجئ من حيث الاسم فقط وإنما التوقيت أيضاً، إذ جاء في لحظة كان فيها المشهد السياسي لا يزال بعيداً عن أي اتفاق نهائي، وسط استمرار الانقسام داخل البيت الشيعي وتعثر محاولات الحسم.
وتشير معلومات إلى أن الزيدي، طُرح اسمه قبل نحو شهر داخل دائرة ضيقة من المفاوضات، من دون أن يحظى بزخم سياسي يُذكر، قبل أن يُعتمد لاحقاً بوصفه «قرار إدراك» داخل الإطار التنسيقي لتفادي تكرار تجربة «فخ عادل عبد المهدي».
ومنذ 2003، تنقلت القيادة الشيعية بين مستويات مختلفة من إدارة السلطة، من الصف الأول إلى نماذج وسطية وأكثر مرونة، فيما بقيت تجربة عبد المهدي وما أعقبها من احتجاجات تشرين حاضرة كتحذير من إعادة إنتاج رئيس قوي خارج التوازنات.
وعلى هذا الأساس، اتجه «الإطار» لاحقاً نحو نموذج «الوكيل الحكومي»، مع توقعات بأن يُطلب من الزيدي تعهدات بعدم التحول إلى فاعل سياسي مستقل، بما يبقيه ضمن دور تنفيذي محدود لا سياسي.
كما لا يُستبعد أن يكون تكليفه خطوة مؤقتة لاحتواء الفراغ وكسب الوقت في ظل «الخرق الدستوري»، بانتظار تسوية سياسية أوسع لم تتبلور بعد.
“دبلوماسية التحول الحذر»
وفي السياق ذاته يقدّم الدبلوماسي السابق غازي فيصل قراءة تعتبر أن تكليف الزيدي يعكس انتقالاً محتملاً نحو «عقلانية سياسية» جديدة داخل الإطار، تتراجع فيها شعارات المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة لصالح مقاربة أكثر براغماتية.
ويقول غازي فيصل إن تعيين علي الزيدي رئيساً للوزراء، وما يرافقه من إلزام بتقديم كابينته الوزارية خلال شهر واحد، يضع العملية السياسية أمام اختبار عملي مباشر، خصوصاً أن التكليف جاء من داخل «الإطار التنسيقي»، بما يعكس – بحسب قراءته – توجهاً نحو نمط مختلف في إدارة السلطة، سواء على مستوى اختيار رؤساء الحكومات أو تشكيل الحكومات نفسها.
ويضيف فيصل أن هذا التحول يمنح انطباعاً بأن قوى «الإطار» باتت أكثر إدراكاً لتداعيات المرحلة السابقة، ولا سيما ما ارتبط بخيارات المواجهة مع الولايات المتحدة.
ويرى فيصل وهو يرأس أيضاً المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، أن تكليف الزيدي قد يُقرأ كإشارة إلى محاولة العودة إلى «عقلانية سياسية» أكثر براغماتية، والابتعاد عن ما يسميه «الاستراتيجية الإيرانية ذات الطابع الحربي»، التي تربط العراق بشبكة صراعات إقليمية واسعة، محذراً من أن استمرار هذا الارتباط قد يضع البلاد أمام مخاطر كبرى.
ويؤكد فيصل أن الترحيب الأميركي بتكليف الزيدي لا يمكن فصله عن دلالاته السياسية، إذ يشير – من وجهة نظره – إلى أن رئيس الوزراء المكلف لا يواجه ملاحظات أو عقوبات من الخزانة أو الخارجية الأميركية، ولا يُصنّف ضمن الشخصيات المرتبطة بتمويل الفصائل أو الاقتصاد الموازي، بما في ذلك شبكات الشركات الوهمية أو المصارف غير الرسمية التي يُتهم بعضها بالعمل خارج الأطر القانونية.
ويذهب إلى أن العراق يقف اليوم أمام محطة مفصلية، لا تتعلق فقط بتشكيل الحكومة، بل بإعادة تعريف موقعه في الإقليم والعالم، في ظل أزمات اقتصادية متراكمة تشمل الفقر والبطالة والأمية وتدهور الخدمات واتساع العشوائيات وتهريب الأموال والنفط والثروات، إلى جانب هشاشة الوضع الأمني.
ويشدد فيصل على أن خيار الانفتاح على علاقات خارج إطار القانون الدولي أو خارج منظومة العقوبات الأميركية والأوروبية ومواقف المجتمع الدولي من إيران، ستكون له انعكاسات سلبية مباشرة على الاقتصاد والنظام السياسي والحياة العامة في العراق.
ويخلص إلى أن تكليف الزيدي قد يشكل، في حال استثماره سياسياً، فرصة للانتقال نحو سياسة حياد حقيقية، تُبعد العراق عن الاصطفافات الإقليمية الحادة، وتحد من الانخراط في سياسات المواجهة أو ما يُوصف بـ«الراديكالية المسلحة»، لصالح مقاربة أكثر توازناً تقوم على إدارة المصالح بدلاً من إدارة الصراعات.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات