في لحظة ترقّب مشوبة بالانقسام داخل الشارع العراقي، أُعلن عن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة، ليُفتح باب واسع من التساؤلات حول طبيعة هذا الاختيار: هل يمثّل بداية تحول في نهج الحكم، أم أنه مجرد إعادة إنتاج للمنظومة السياسية ذاتها بوجه جديد؟
اعتُبر اسم الزيدي نتاجاً لتسوية داخل مكونات الإطار التنسيقي بعد أسابيع من الخلافات الحادة، حيث لم يتمكن أي طرف من فرض مرشحه، ما دفع باتجاه خيار وُصف بأنه “ضرورة سياسية” لتفادي استمرار الانسداد.
ويرى متابعون أن تقديم الزيدي كشخصية شابة ذات خلفية اقتصادية وقانونية، وخارج الإطار الحزبي التقليدي، جعله مقبولاً كحل وسط بين القوى المتنافسة. إلا أن هذا القبول لا يخلو من تعقيدات، إذ إن غياب الحاضنة الحزبية والكتلة البرلمانية يضعه في موقع حساس أمام القوى التي دعمته.
هذا الواقع يثير تساؤلات جوهرية حول مدى قدرته على تشكيل حكومته بحرية، في ظل نظام سياسي لا يزال يتعامل مع الوزارات بوصفها استحقاقات انتخابية، ما قد يقيّد صلاحياته ويحد من استقلالية قراره.
ويواجه الزيدي، وفق تقديرات سياسية، جملة تحديات متشابكة تبدأ بالإطار الزمني الضيق دستورياً لتشكيل الحكومة، مروراً ببيئة سياسية داخلية معقدة، وصولاً إلى ضغوط إقليمية ودولية متزايدة. كما يصطدم بطبيعة منظومة الحكم التي توصف بأنها محكومة بتوازنات ومراكز نفوذ قادرة على تعطيل أي مسار إصلاحي.
ومن أبرز الملفات الداخلية التي تلوح في الأفق، قضايا الفساد الإداري، وتهريب العملة، وسلاح الفصائل، وهي ملفات لطالما شكلت نقاط توتر مع المجتمع الدولي، وتحدياً لأي حكومة تسعى لإثبات جديتها.
وفي البعد الخارجي، لا تبدو مهمة الزيدي منفصلة عن مواقف القوى الدولية، إذ يترقب المراقبون موقف الولايات المتحدة من تكليفه، وما إذا كانت ستمنحه مساحة للتحرك أم ستربط دعمها بجملة شروط تتعلق بملفات حساسة، أبرزها ضبط تدفقات الدولار، والتعامل مع سلاح الفصائل، وإدارة العلاقة مع إيران.
وتشير تقديرات إلى أن واشنطن قد تعتمد سياسة “فترة الاختبار”، لمراقبة أداء الحكومة الجديدة قبل اتخاذ موقف نهائي، في وقت تبقى فيه المواقف الأوروبية عاملاً مكملاً في رسم المشهد الدولي.
ورغم أن تقديم الزيدي يأتي تحت عنوان “التكنوقراط الاقتصادي” كمدخل لمعالجة الأزمات، إلا أن خبراء يشددون على أن الإشكالية في العراق لا ترتبط بالأفراد بقدر ما تتعلق بطبيعة النظام السياسي نفسه، الذي قد يحدّ من فرص أي إصلاح حقيقي.
كما يعكس اختياره حجم التباينات داخل الإطار التنسيقي، حيث جرى تفضيل شخصية غير تقليدية لتفادي تصعيد الخلافات بين الأطراف المتنافسة، وهو ما يطرح تساؤلاً إضافياً حول مدى قدرته على الصمود في منصبه، وما إذا كان تكليفه يمثل حلاً مرحلياً لامتصاص التوترات.
وفي المحصلة، يبدو أن الزيدي يدخل المشهد السياسي محاطاً بتحديات داخلية وضغوط خارجية متشابكة، ما يجعل نجاحه مرهوناً بقدرته على المناورة داخل منظومة معقدة، طالما أعاقت محاولات التغيير، وفرضت إيقاعها على مسار الحكم في العراق.
من جانبه، أكد المحلل السياسي عصام الفيلي، أن رئيس الوزراء المكلّف علي الزيدي سيواجه تحديات معقدة في مسار تشكيل الحكومة، في مقدمتها نظام المحاصصة السياسية وهيمنة القوى المتنفذة على القرار.
وقال الفيلي إن “فكرة الاعتماد على شخصية واحدة لإدارة الدولة لم تعد واقعية، إذ إن الدول الناجحة تعتمد على منظومات مؤسسية وكفاءات متخصصة”، مبيناً أن “العراق لا يعاني من نقص في الكفاءات داخل مكوناته، بل من غياب بنية مهنية واضحة لاكتشاف هذه الكفاءات وتطويرها”.
وأضاف أن “القوى السياسية لم تتجه نحو بناء هيكل احترافي لإعداد القيادات، كما تفعل دول أخرى تستثمر في الطلبة المتفوقين وتؤهلهم في جامعات عالمية، ما يسهم في تجديد النخب الحاكمة”، مشيراً إلى أن “هذا الخلل ينعكس على أداء الدولة ويُبقي عملية إدارة الحكم رهينة التوازنات”.
وأوضح الفيلي أن “الزيدي سيصطدم أولاً بالمحاصصة، التي تفرضها القوى السياسية عبر تمسكها بحصصها داخل الحكومة”، لافتاً إلى أن “رئيس الوزراء غالباً ما يجد نفسه مطالباً بموازنة هذه الضغوط، بدلاً من الانطلاق نحو تشكيل فريق حكومي قائم على الكفاءة”.
وبيّن أن “التوافق السياسي الذي أفضى إلى ترشيح الزيدي، رغم أهميته، لا يعني بالضرورة سهولة مهمته، بل قد يجعله أمام التزامات متقاطعة”، مضيفاً أن “بعض القوى تسعى إلى الحفاظ على نفوذها، وهو ما يحد من قدرة رئيس الوزراء على اتخاذ قرارات مستقلة”.
وختم الفيلي بالقول إن “المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الزيدي على التعامل مع هذه التحديات، في ظل بيئة سياسية معقدة، ما يجعل مهمته أقرب إلى معركة صعبة تتطلب دعماً سياسياً حقيقياً لتجاوزها”.
إلى ذلك، بحث الإطار التنسيقي، تأليف الكابينة الوزارية وآليات حسم الاستحقاقات، فيما أكد ضرورة أن يترك الخيار الأخير لرئيس الوزراء باختيار أعضاء الطاقم الوزاري.
وذكر بيان للإطار التنسيقي، أن “الإطار التنسيقي عقد اجتماعه الاعتيادي المرقّم (٢٧٤)، في مكتب رئيس تحالف النهج الوطني عبد الحسين الموسوي، لمناقشة تشكيل الحكومة المرتقبة”.
وأضاف، أن “المجتمعين بحثوا تأليف الكابينة الوزارية وآليات حسم الاستحقاقات والاختيارات، بما يفضي إلى بلورة حكومة قوية وقادرة على تجاوز التحديات، فيما جرى التأكيد على أهمية الالتزام بالتوقيتات الدستورية، وضرورة أن يترك الخيار الأخير لرئيس الوزراء باختيار أعضاء الطاقم الوزاري”.
وأشار إلى أن “قادة الإطار التنسيقي شددوا على أهمية الشراكة وتغليب المصلحة العامة، بترصين الخيارات وفق معايير النزاهة والكفاءة والمسؤولية الوطنية، مشيرين إلى أهمية انسجام الفريق الحكومي المقبل لعبور المنعطفات وتحقيق تطلعات أبناء الشعب العراقي كافة”.