بغداد ـ «القدس العربي»: أظهر تصويت البرلمان الأخير على 14 وزيراً في حكومة رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، الخلاف الشيعي ـ الشيعي داخل «الإطار التنسيقي» إلى العلن، عندما نجح أحد أقطابه الرئيسة بتمرير وزراءه في الكابينة الجديدة بالتعاون مع حلفاء من الشيعة والسنّة والأكراد، وأعاق منح الثقة لمرشحي زملائه في الائتلاف الذي يضم جميع القوى الشيعية الفايزة في الانتخابات، الأمر الذي ولّد اصطفافات جديدة داخل البيت الشيعي.
وفي جلسة شهدت حضور ما لا يقل عن 250 نائباً، بالإضافة إلى قادة الأحزاب ومسؤولين بارزين في الدولة العراقية، منح البرلمان العراقي، الخميس الماضي، الثقة لعلي الزيدي وحكومته المؤلّفة من 14 وزيراً كـ«دفعة أولى»، على أن يتم إكمالها بعد عطلة العيد.
وحصلت أغلب القوى السياسية على حصتها في التشكيلة الحكومية الجديدة، باستثناء ائتلاف «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، وقوى سياسية شيعية مقربة أو تابعة للفصائل المسلحة، وأخرى سنّة وكردية أيضاً، على خلفية جمّلة أسباب من بينها «الفيتو» الأمريكي، فضلاً عن رفض مرشحين بعينهم من المشاركة في الحكومة الجديدة.
وفي نظرة سياسية على مجريات توزيع حصص الوزارات «الشيعية»، يلاحظ النائب السابق رائد المالكي، أن تيار «الحكمة» بزعامة عمار الحكيم، وكتلة «النهج الوطني»، حصلت على وزارات «بدون لغط وبشكل هادئ»، فيما لا تزال كتلة «الصادقون» الممثل السياسي لحركة «عصائب أهل الحق» في البرلمان، تواجه «الفيتو» الأمريكي بالرغم من «موقفها المحايد عسكريا في الحرب الأخيرة مع إيران».
ويشير المالكي في «تدوينة» له، إلى أن «كتلة دولة القانون خرجت بخفي حنين (مثل عربي)، وتم كسر شوكتهم بالرغم من حضور المالكي بنفسه الى المجلس»، معتبراً أن «القضية لا تتعلق بأشخاص مرشيحهم وإنما بخلافات سياسية يمكن ان تلاحظ من خطاب السوداني الأخير الذي أعاد به هجومه على ما يسميه زعامات الفشل».
وأضاف: «أما محسن المندلاوي وكتلته الأساس، فيبدو انه مرتبك، لانه يعول على الحصول على منصب نائب رئيس الوزراء، ولكنه يشك في استحداث المنصب أو الخوف من إلغائه عند خروج أول تظاهرة، حيث سيكون هدفا لأي مطالبات بوقف هدر المال العام أو مكافحة الفساد حتى لو قبل به المندلاوي بصفة متطوع، لذا حاول المندلاوي الحصول على وزارة بدلا من التعويل على الوهم».
وأوضح أن «كتلة بدر (بزعامة هادي العامري)، فلا تزال تحكم سيطرتها المستمرة على وزارة النقل منذ سنوات».
وفيما يتعلق بائتلاف «الإعمار والبناء»، بزعامة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، يبيّن المالكي أنه «الرغم من تمرير وزارءها الثلاث إلا انها تعتبر مغبونة بحساب النقاط، وبحساب انها تخلت عن منصب رئيس الوزراء كاستحقاق دستوري».
ورجّح «بروز تحدي الخلافات والصراعات منذ وقت مبكر بين قوى الإطار التنسيقي، يضاف لها الموقف الشعبي المحبط حتى داخل الأوساط المؤيدة لقوى الإطار، وما تضيفه تحديات الطلبات الأمريكية وأوضاع المنطقة».
بوادر تشظي «الإطار» بدأت بإعلان كتلة «العقد الوطني» بزعامة رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، وكتلة «سومريون» بزعامة أحمد الأسدي، انسحابهما رسمياً من ائتلاف «الإعمار والتنمية»، على خلفية ما وصفته «الإخلال بالاتفاقات السياسية والتنظيمية» واتباع أساليب الإقصاء والتهميش خلال جلسة مجلس النواب الأخيرة، مؤكدة في الوقت ذاته عزمها تشكيل «تكتل وطني جديد» خلال المرحلة المقبلة.
وفيما أكد الحزبان السياسيان في بيان مشترك دعمها «لكل جهد وطني مخلص يسهم في بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها وترسيخ هيبتها»، أشارا إلى وضع «مصلحة العراق فوق كل الاعتبارات، ونؤمن بأن المرحلة الحالية تتطلب تضافر الجهود والعمل بروح الشراكة الحقيقية، بعيداً عن المصالح الضيقة والحسابات الشخصية».
وذكر البيان: «نعلن انسحابنا الرسمي من كتلة الإعمار والتنمية البرلمانية، وذلك على خلفية ما جرى خلال جلسة (الخميس الماضي) من التفافٍ واضح على الاتفاقات السياسية والتنظيمية، والإخلال بالعهود والمواثيق التي تم التوافق عليها، فضلاً عن اعتماد أساليب الإقصاء والتهميش بحق عدد من ممثلي الشعب، في ممارسات لا تنسجم مع المبادئ الديمقراطية ولا مع روح الشراكة الوطنية التي يُفترض أن تحكم العمل البرلماني».
ولفت البيان إلى أنه «لقد تابعنا، بأسف شديد، محاولات انتزاع الاستحقاقات الدستورية ممن منحهم الشعب ثقته، والتعامل مع الملفات السياسية بعقلية تصفية الحسابات الشخصية، وتغليب المصالح الفردية على المصلحة الوطنية، الأمر الذي أسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في حالة الفوضى والتوتر التي شهدتها قبة البرلمان، والتي نعتقد أن رئاسة كتلة الإعمار والتنمية تتحمل جانباً من مسؤوليتها السياسية والأخلاقية».
ووفق البيان المشترك فإنه «انطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية والأخلاقية أمام أبناء شعبنا، فقد قررنا فك ارتباطنا بهذه الكتلة، والعمل مع مجموعة من النواب الوطنيين الذين يرفضون مبدأ المحاصصة والمساومات على حساب حقوق المواطنين واستحقاقات ممثلي الشعب، من أجل تأسيس تكتل وطني جديد سيتم الإعلان عنه قريباً، يحمل مشروعاً إصلاحياً حقيقياً يعبّر عن آمال العراقيين وتطلعاتهم، ويدافع عن حقوق المواطن وكرامته، ويؤمن بالدولة العادلة والمؤسسات الراسخة وسيادة القانون».
وأكمل أنه «نؤكد تمسكنا بالمبادئ والثوابت الوطنية التي تشكّل على أساسها الإطار التنسيقي، وإيماننا بضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني والعمل المشترك بما يخدم مصلحة العراق العليا ويصون إرادة شعبه».
ويرى مراقبون أن العراق مقبل على أزمات سياسية جديدة ناتجة عن تضارب مصالح القوى والأحزاب السياسية المرتبطة بـ«الغرب والشرق».
رئيس المجموعة «المستقلة» للبحوث، منقذ داغر، يقول في «تدوينة» له، «الآن وبعد ان استجابت الأجنحة الثلاثة داخل الطبقة السياسية (الإيرانية والأمريكية والأميبية) للتوجيهات المباشرة وغير المباشرة بدعم تشكيل حكومة خلطة العطار الجديدة، سيبدأ فصل جديد من الصراع (الخفي ابتداءً ثم العلني انتهاءً) حول تنفيذ التوجيهات الصادرة لهم».
وأضاف: «جماعة أمريكا سيصرون على نزع السلاح وحل الفصائل. جماعة إيران،لا حل ولا نزع. أما الأميبيون فسيداهنون هؤلاء واولئك قبل ان يتخذوا موقفاً حاسماً بناءً على رؤيتهم لمن ستكون كفته أعلى».
ويرجح أن يبدأ رئيس الوزراء الجديد «كما بدأ بعض من سبقوه (ليس كلهم) بسقوف عالية حول حصر السلاح والإصلاح واللا انبطاح، ثم يصطدم بالدولة العميقة التي كرّسها وخدمها بخلطته الوزارية. وشيئاً فشيئاً يبدأ بالنزول درجة درجة وصولاً الى القاع».
وتسائل: «ما عمق القاع الذي سيصله مقارنةً بمن سبقوه، وما هي المدة التي سيبقى ممتطياً فيها سقف التوقعات الأعلى؟!».
وفي حال لم تحصل القوى السياسية الشيعية المقصيّة من «الوجبة الوزارية الأولى» على حصتها من الوزارات التسع المتبقية أو من مناصب نواب رئيس الجمهورية والوزراء، فإن ذلك يهدد بشكلٍ كبير التماسك الهشّ «للإطار التنسيقي» ويمهّد لانفراط عقده أو إعادة ترتيب التوازنات داخلة في أحسن الأحوال.