تغيير حجم الخط     

لعنة تشكيل الحكومات تتجدد.. والإطار أمام اختبار “الترميم المستحيل”.. نواب يهربون من “صراخ الخلافات” إلى عوائلهم في أوروبا وآخرون في مكة

مشاركة » الأربعاء مايو 20, 2026 5:08 am

5.jpg
 
بغداد/ تميم الحسن

في آذار من عام 2024، فجّر وزير العمل آنذاك، أحمد الأسدي، مفاجأة سياسية حين تحدث لأول مرة عن قرب إعلان تحالف سياسي جديد برئاسة رئيس الوزراء في ذلك الوقت محمد السوداني، خصوصاً أن السوداني كان وقتها ممنوعاً من دخول الانتخابات بأوامر من «الإطار التنسيقي»، مؤكداً الأسدي في ذلك الوقت أنه سيكون من أوائل المنضمين إلى هذا التحالف.
وبعد عام تقريباً، عاد السوداني ليقر – في سياق مختلف – بأن تعثّر قانون الحشد الشعبي، الذي واجه لاحقاً فيتو أميركياً حال دون تمريره، كان أحد أسبابه الرئيسية قرب رئيس هيئة الحشد فالح الفياض من رئيس الوزراء، مما عكس طبيعة الخلافات التي سبقت الانتخابات التي كانت قد أُجريت نهاية عام 2025.
ومع مرور عام إضافي وشهرين، وجد كل من الأسدي والفياض نفسيهما، وفق ما يقوله مسؤولون سياسيون، في مقدمة القافزين من مركب السوداني باتجاه ترتيبات سياسية أخرى، بفعل حسابات تتعلق بالمواقع داخل الحكومة المقبلة، أو خشية فقدانها في ظل إعادة توزيع النفوذ الوزاري.
هذه الحركة المتسارعة لاثنين من أبرز الفاعلين الشيعة لم تُقرأ بوصفها تبدلاً عادياً في الاصطفافات، بل كإشارة إلى انقسام سياسي يتكرر بأشكال مختلفة، لكنه هذه المرة يبدو – بحسب تقديرات داخلية – الأول من نوعه منذ نحو ست سنوات داخل «الإطار التنسيقي» الشيعي، بما قد يجعل احتواءه أو ترميمه لاحقاً أكثر صعوبة من السابق.
كواليس الخلافات الشيعية
يصف نائب شيعي وعضو آخر في أحد أحزاب «الإطار التنسيقي» اجتماعات التحالف بأنها أقرب إلى «جلسات سوالف وعتب» منها إلى طاولة تفاهم سياسي قادرة على حسم القضايا الحساسة أو إنتاج قرارات نهائية في لحظة مفصلية من مسار تشكيل السلطة.
فبحسب هذا الوصف، ظل «الإطار» يدور لنحو ستة أشهر في حلقة مغلقة من النقاشات دون أن ينجح في تثبيت اسم رئيس الحكومة، قبل أن يدفع، تحت ضغط مزدوج أميركي–إيراني وضيق الوقت، نحو ترشيح علي الزيدي، ثم يعود لاحقاً إلى فتح باب الاعتراض عليه داخل المكاتب السياسية.
النائب الذي طلب عدم الكشف عن اسمه يربط جذور الانشقاقات الأخيرة داخل التحالف بطبيعة توزيع الحقائب الوزارية أكثر مما يربطها بالخلاف على البرنامج السياسي، قائلاً إن «الاختلاف لم يكن على المنهج أو إدارة الملفات، بل على حصة كل مجموعة داخل الحكومة».
وشهد البرلمان الأسبوع الماضي تعثراً في تمرير مرشحي نوري المالكي إلى الوزارات، بالتوازي مع استبعاد أو تراجع تمثيل بعض الفصائل المصنفة على قوائم العقوبات الأميركية، في حكومة وُصفت بأنها «خالية من ممثلي الفصائل الستة» المدرجة في تلك القوائم.
وفي سياق متصل، يشير النائب ذاته، الذي غادر إلى دولة أوروبية على خلفية ما وصفه بانزعاج من حدّة الخلافات داخل «الإطار»، مستغلاً عطلة برلمانية غير معلنة تزامنت مع موسم الحج، إلى أن «احتمال عودة الإطار التنسيقي إلى تماسكه السابق بات ضعيفاً».
ويذهب أبعد من ذلك في تأكيده أن ما يجري لا يمكن وصفه بالانشقاق الكلاسيكي، بل هو عملية إبعاد متبادلة ومحسوبة لرئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، الذي يُنظر إليه داخل بعض الدوائر على أنه خرج عن تفاهمات داخلية سابقة في البيت الشيعي.
وبحسب ما يتداول في الكواليس السياسية، فإن تحالفاً جديداً بدأ يتشكل، ضمّ نوري المالكي وبعض الشخصيات المنشقة عن معسكر السوداني، إضافة إلى هادي العامري، زعيم منظمة بدر، تحت مسمى غير معلن يُشار إليه باسم «الأقوياء»، وهو ما يصفه مراقبون بأنه بداية تفكك صامت لبنية «الإطار التنسيقي».
ولفهم جذور هذا التوتر، يعود بعض الفاعلين داخل التحالف إلى نهاية آب 2022، حين كان «الإطار» يستعد للعودة إلى طاولة الحكم بعد أزمة اقتحام المنطقة الخضراء من قبل أنصار التيار الصدري، على خلفية الخلاف حول شكل الحكومة المقبلة.
في تلك المرحلة، طرح نوري المالكي نفسه مجدداً كمرشح قوي لرئاسة الحكومة، كما يفعل اليوم، إلا أن رفض غالبية القوى الشيعية تسليم «الخط الأول» له مجدداً، إلى جانب إرث سياسي مثقل بالتحفظات عليه داخل بعض الأوساط، دفع باتجاه تسوية انتهت لاحقاً إلى تمرير محمد شياع السوداني.
أحد أعضاء «الإطار» ممن شاركوا في اجتماعاته المغلقة يروي أن المالكي كان قد حذّر في حينها من أن القوى السياسية «ستندم على القرار وستعود لاحقاً لطلبه مجدداً لتولي رئاسة الحكومة»، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، لكنه بقي حاضراً في سردية الصراع الداخلي.
ويضيف العضو أن المالكي تعامل منذ ذلك الوقت مع السوداني باعتباره خصماً سياسياً مباشراً، لا سيما بعد انفصال الأخير عن حزب الدعوة، ونجاحه في تثبيت موقعه في رئاسة الحكومة، وهو ما اعتُبر داخل بعض دوائر المالكي «خروجاً عن التفاهمات غير المعلنة» داخل البيت الشيعي.
ويشير المصدر ذاته إلى أن الإطار كان قد اتهم السوداني لاحقاً بالإخلال بتعهدات شفهية تتعلق بعدم خوض الانتخابات أو تشكيل تحالفات خارج عباءة التنسيق، قبل أن تُخفف هذه الاتهامات تدريجياً إلى صيغة أكثر مرونة تتحدث عن عدم خوض الانتخابات منفرداً، وهي قيود لم تُطبق بالكامل، وفق رواية المعترضين.
هذا التراكم، بحسب العضو، ساهم في تعميق أزمة الثقة خلال الأشهر الستة الأخيرة، وصولاً إلى لحظة إعادة ترتيب المشهد الحكومي الحالي، حيث يُنظر إلى إقصاء السوداني أو تقليص حضوره كجزء من تسوية داخلية متأخرة.
ورغم هذه التقديرات، يرى مقربون من معسكر السوداني أنه لا يزال الطرف الأكثر تماسكاً داخل المعادلة الشيعية، إذ تشير تقديراتهم إلى امتلاكه وحلفائه نحو 170 مقعداً في البرلمان، ما يمنحه قدرة على تمرير جزء كبير من الاستحقاقات التشريعية والتنفيذية، في حال استقرار التفاهمات السياسية، رغم استمرار الحديث عن انشقاقات غير محسومة داخل هذا التكتل.
سجل الانشقاقات التاريخية
تشير مصادر الإطار التنسيقي إلى أن فالح الفياض وأحمد الأسدي كانا يتنقلان بين معسكري السوداني والمالكي خلال مرحلة التفاهمات التي سبقت ولادة حكومة الزيدي، قبل أن يعلنا انشقاقهما رسمياً الأسبوع الماضي والانضمام إلى «تحالف الأقوياء».
ويملك الفياض، الذي يُعد أقدم مسؤول مستمر في منصبه منذ عام 2004، سجلاً طويلاً من التموضعات السياسية؛ ففي عام 2006 انضم إلى «تيار الإصلاح» الذي أسسه رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم الجعفري، رداً على قرار البيت الشيعي بإبعاد الجعفري لصالح المالكي. لكن الفياض عاد واصطف مع المالكي عام 2010 ليتولى منصب مستشار الأمن القومي، ثم رئيساً لهيئة الحشد الشعبي عام 2014.
وفي عام 2017، شكّل الفياض تكتل «العطاء» وخاض انتخابات 2018 ضمن تحالف حيدر العبادي، قبل أن ينشق عنه لصالح معسكر هادي العامري وقوى أخرى لتمرير حكومة عادل عبد المهدي.
وعقب انتخابات 2021، تحالف الفياض مع السوداني للبقاء في منصبه برغم مطالبة زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي المتكررة بإحالته إلى التقاعد بسبب السن. واتهم الخزعلي رئيس الوزراء السابق بسحب نسخة قانون الحشد التي كانت تتضمن بنداً يجبر الفياض على التقاعد. وبحسب النائب السابق عبد الهادي السعداوي، فإن انسحاب الفياض الأخير مرتبط بمخاوف جدّية من وجود توجه حكومي لإقالته، مما دفعه للتحصن بالتحالف الجديد لضمان بقائه في رئاسة الهيئة.
أما أحمد الأسدي، فقد انتقل سريعاً من منصب المتحدث باسم الحشد الشعبي ليصبح أحد قادة الإطار التنسيقي، قبل أن ينشق الأسبوع الماضي نتيجة عدم التجديد له في وزارة العمل أو منحه حقيبة وزارية أخرى.
وتشير القراءة التاريخية إلى أن التحالفات الشيعية تعرضت للانقسام مع كل تشكيل حكومي سابق؛ حيث انشق الجعفري وأسس حزباً مستقلاً عند تولي المالكي رئاسة الوزراء، وانعزل مقتدى الصدر في الولاية الثانية للمالكي. كما قاطع عمار الحكيم حكومة عادل عبد المهدي، ولم يشارك المالكي في حكومة مصطفى الكاظمي، وصولاً إلى انسحاب الصدر التام من حكومة السوداني.
صراع الصقور: اتهامات بـ”المؤامرة” و”اختطاف الدولة”
من جانبه، يرى النائب عن منظمة بدر، مختار الموسوي، أن حزب «تقدم» بزعامة محمد الحلبوسي هو من دبر الإطاحة بمرشحي المالكي في جلسة التصويت، بسبب خلافات سابقة بين الحلبوسي والحزب الديمقراطي الكردستاني القريب من المالكي، مما أدى إلى عرقلة وزراء دولة القانون كما حدث سابقاً في ملفي رئاسة البرلمان ورئاسة الجمهورية. ولا يحمل الموسوي الإطار التنسيقي المسؤولية مباشرة، لكنه يشير إلى أن التحالف لم يكن حاسماً بشأن رئيس الوزراء الذي ظهر فجأة، واصفاً بعض القادة بأنهم “ديكتاتوريون لا يستمعون لأحد”.
وكان الحلبوسي، الذي أُبعد عن رئاسة البرلمان بقرار قضائي نهاية عام 2023، قد عقد تفاهمات مع قيس الخزعلي وتقرب من السوداني لصياغة الشكل النهائي للتشكيلة الحكومية وتوزيع الحصص.
بالمقابل، يعزو فريق آخر من الأحزاب التي شاركت في التشكيلة الحكومية الجديدة سبب سقوط مرشحي المالكي في جلسة التصويت البرلمانية إلى اعتماده على “نمطية قديمة” لم تعد تقنع أعضاء مجلس النواب، فضلاً عن وجود حديث داخل الأروقة السياسية عن طموحات صهره والقيادي في الائتلاف ياسر صخيل، وذلك وفقاً لما صرّح به النائب عن تيار الحكمة، أحمد الساعدي.
ويتفق النائب عن ائتلاف الإعمار والتنمية، عباس حيال، مع هذا الطرح، مؤكداً أن عدم تمرير وزيري دولة القانون يمثل مواقف سياسية طبيعية تحت قبة البرلمان وليس مؤامرة كما تصوره أوساط المالكي التي تتحدث عن “غدر وخيانة”.
لكن فريق المالكي يرى في هذه التطورات مؤشراً على محاولات جارية لـ”اختطاف الدولة”، وفقاً للنائب عن دولة القانون عثمان الشيباني. وكان مكتب المالكي قد اتهم رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي بارتكاب مخالفات قانونية وإجرائية خلال جلسة التصويت، معتبراً أن تلك الإجراءات عرقلت تمرير مرشح وزارة الداخلية الفريق قاسم عطا برغم حصوله على الأغلبية العددية.
ويختم النائب مختار الموسوي بالتحذير من خطورة هذه الانقسامات، مؤكداً أنها بعيدة عن الواقع الحرج للبلاد، قائلاً: “نحن نواجه أزمات اقتصادية، وتأخراً في إقرار الموازنة، وقلقاً حقيقياً يتعلق بتوفير رواتب الموظفين، فضلاً عن سوء الخدمات العامة؛ ولذلك فإن هذا التوقيت ليس مناسباً للتسابق على الحصص والوزارات”.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات