بغداد / تميم الحسن
من منزل عمار الحكيم زعيم "تيار الحكمة" في الجادرية، خرج توافق نادر داخل الإطار التنسيقي. فالقوى الشيعية الحاكمة وافقت بالإجماع على رؤية اقتصادية قدمها رئيس الوزراء علي الزيدي، تتضمن إجراءات توصف بأنها الأكثر جرأة منذ سنوات، تبدأ بالتخلص من المؤسسات الحكومية المثقلة بالديون ولا تنتهي عند إعادة النظر بسعر صرف الدولار.
لكن الطريق إلى هذه التحولات لا يمر عبر وزارة المالية وحدها، بل عبر ملفات أكثر حساسية: السلاح المنفلت، والاستثمارات الأجنبية، وملاحقة كبار المتهمين بالفساد، وهي ملفات تبدو مترابطة في ذهن الحكومة الجديدة التي تسعى إلى رسم هوية اقتصادية مختلفة للعراق.
الزيدي، الذي أثار قبل أيام جدلاً واسعاً بدعوته إلى "الخروج من العقلية الاشتراكية"، يحاول تقديم نفسه باعتباره صاحب مشروع اقتصادي متكامل، فيما يصفه خصومه وأنصاره على حد سواء بأنه "رئيس الوزراء الملياردير" بسبب امتلاكه شبكة واسعة من المؤسسات المالية والتجارية المرتبطة بشراكات مع الدولة.
التخلص من الديون.. بيع أم تحويل للملكية؟
بحسب مصادر مطلعة تحدثت لـ(المدى)، فإن الخطة التي عرضها رئيس الوزراء خلال اجتماع مساء الاثنين ركزت في مرحلتها الأولى على معالجة ملف الدين العام الذي يتجاوز 83 مليار دولار داخلياً وخارجياً.
ويقترح الزيدي تحويل ملكية المؤسسات الحكومية ذات النشاط الإنتاجي التي تراكمت عليها الديون، باعتبار ذلك أحد المسارات الأساسية لتخفيف الأعباء المالية عن الدولة، دون إعطاء تفاصيل أكثر عن هذه النقطة، حيث يتم التعتيم على المعلومات بشكل كبير.
وتكشف أحدث بيانات لوزارة المالية حتى نهاية نيسان الماضي، أن إجمالي الدين الداخلي تجاوز 96 تريليوناً و629 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 73.3 مليار دولار، فيما يزيد الدين الخارجي على 10 مليارات دولار.
وكان الزيدي قد أعلن مؤخراً أنه وجد في خزينة الدولة تريليون دينار فقط عند تسلمه السلطة، بينما كان رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي قد أكد سابقاً أنه سلم الخزينة إلى الحكومة اللاحقة (حكومة السوداني) وبداخلها نحو 100 تريليون دينار.
لكن هذه الوصفة لا تمر من دون تشكيك مبكر. يرجح خبراء اقتصاديون أن ينتهي الأمر عملياً إلى بيع أصول الدولة تحت ضغط الأزمة المالية، وهو مسار يثير مخاوف واسعة بشأن الشفافية وقيمة تلك الأصول الحقيقية.
وفي هذا السياق، يحذر نبيل المرسومي، أستاذ الاقتصاد في جامعة المعقل في البصرة، من أن بيع الأصول الحكومية قد يتحول إلى بوابة جديدة للهدر بدل أن يكون أداة للإنقاذ المالي، في ظل استمرار مستويات الفساد المرتفعة وضعف الرقابة على عمليات التقييم والبيع.
ويقول المرسومي لـ(المدى) إن هذا الخيار طُرح أيضاً خلال حكومة محمد شياع السوداني، ورافقت النقاشات آنذاك التحذيرات ذاتها، مشيراً إلى أن المشكلة لا تتعلق بالعراق وحده، بل ظهرت في تجارب دول أخرى فيها فساد وكانت النتائج غير جيدة.
ويضيف أن الخطر يكمن في الفجوة بين القيمة الحقيقية للأصول والأسعار التي قد تباع بها، لافتاً إلى أن مؤسسة حكومية قد تُباع مقابل 25 مليون دولار رغم أن قيمتها الفعلية تتجاوز 100 مليون دولار، وهو فارق يمكن أن يتحول إلى مصدر جديد للفساد بدلاً من أن يكون جزءاً من الحل.
وكانت حكومة حيدر العبادي قد درست عام 2016 بيع نحو 600 ألف عقار حكومي، بينها أكثر من ألف قصر عائد للنظام السابق، لسد العجز المالي الناتج عن انهيار أسعار النفط.
وفي ذلك الوقت، قدرت اللجنة المالية النيابية لـ(المدى) إمكانية تحقيق ما يصل إلى 150 مليار دولار من هذه العملية.
الدولار يعود إلى الواجهة
النقطة الأكثر إثارة في خطة الزيدي تتعلق بسعر الصرف.
وتتحدث المصادر عن مقترح برفع سعر الدولار مجدداً، من دون الكشف عن السعر الذي طرحه رئيس الوزراء خلال الاجتماع.
وكان محمد شياع السوداني قد اتخذ عام 2023 قراراً بخفض سعر الصرف إلى 1300 دينار للدولار الواحد وتثبيته عند هذا المستوى.
ووفق تقديرات آنذاك، فإن القرار كلف الخزينة نحو 15 تريليون دينار سنوياً، أضيفت إلى العجز المالي الذي جرى تمويله عبر الاقتراض، ما ساهم في زيادة المديونية.
وفي نهاية عام 2020، كانت حكومة مصطفى الكاظمي قد رفعت السعر الرسمي من 1180 إلى 1450 ديناراً للدولار.
ويبدو أن العودة إلى ملف سعر الصرف كانت متوقعة مع تفاقم الضغوط المالية، خصوصاً بعد تصريحات وزير الخارجية فؤاد حسين التي تحدث فيها عن اضطرار الدولة إلى طباعة 25 تريليون دينار لتأمين الالتزامات المالية، وفي مقدمتها الرواتب.
"ريتز كارلتون".. النسخة الجديدة
لا تقف خطة معالجة العجز عند بيع الأصول أو تعديل سعر الصرف.
فالتسريبات تتحدث عن مسار ثالث يقوم على استعادة الأموال المنهوبة من كبار المتهمين بالفساد، في تجربة تشبه ما جرى في السعودية خلال حملة "ريتز كارلتون" قبل عدة سنوات.
وبدأت المؤشرات الأولى لهذا المسار مع اعتقال عدنان الجميلي، حيث أعلنت السلطات ضبط عشرات العقارات والأموال والأسلحة خلال العملية.
وفي تطور لافت على صلة بملفات الأموال والنزاعات المالية، أصدرت محكمة بداءة الكرخ في بغداد، أمس، حكماً يقضي بإلزام النائب الأسبق جمال الكربولي بدفع مبلغ 4.5 ملايين دولار أمريكي لصالح رئيس جمعية الهلال الأحمر العراقي بصفته الوظيفية.
ويعيد هذا التطور إلى الأذهان تجربة السوداني مع نور زهير، المتهم الرئيسي في ما عرف إعلامياً بـ"سرقة القرن"، والتي قدرت بنحو 4 مليارات دولار.
وفي المقابل، تتداول أوساط سياسية معلومات عن إمكانية إحالة وزراء ووكلاء ومسؤولين كبار إلى القضاء، بل وتذهب بعض التسريبات إلى الحديث عن إمكانية مساءلة السوداني نفسه، فيما ينفي أنصاره تلك الأنباء ويصفونها بأنها جزء من صراع خفي داخل الإطار التنسيقي.
وتشير التقديرات المتداولة إلى أن الدولة قد تستعيد نحو 50 مليار دولار إذا نجحت حملة ملاحقة الفاسدين.
وكانت حكومة الكاظمي السابقة قد حاولت، بحسب تقرير نشرته (المدى) في 2020، عقد تسويات مع شخصيات سياسية وأحزاب متهمة بسرقة أموال عامة، على قاعدة استرداد نصف الأموال مقابل إسقاط التهم.
وحينها كان الاعتقاد السائد أن سجن الفاسدين وحده لن يحقق للدولة أي عائد مالي، خصوصاً أن معظم المتهمين يمتلكون خبرة طويلة في إخفاء الأموال وتحويلها.
واستند هذا الطرح إلى تقديرات سابقة لوزير المالية الأسبق علي علاوي، الذي قال إن نحو 250 مليار دولار سرقت من العراق منذ عام 2003.
واعتُبر هذا الرقم كفيلاً ببناء دول كاملة لو استثمر بشكل صحيح.
واعتقلت الحكومة آنذاك نحو 20 مسؤولاً، ضمن أعمال لجنة مكافحة الفساد التي شكلها رئيس الوزراء الأسبق، مصطفى الكاظمي.
وبحسب تسريبات وقتذاك، فإن المعتقلين، وبينهم مسؤولون في هيئات اقتصادية ومطارات، تم احتجازهم في مبنى المخابرات وسط بغداد، ومنع عنهم الزيارة قبل أن تُتهم هذه اللجنة بالتعذيب والفساد بعد ذلك.
وكان الزيدي قد افتتح عهده بتشكيل مجلس أعلى للنزاهة، رغم وجود هيئة النزاهة أصلاً.
الخطوة أثارت تساؤلات بشأن ما إذا كانت ستسرع جهود مكافحة الفساد أم ستضيف طبقة جديدة من البيروقراطية إلى المشهد الإداري المعقد.
لا للسلاح.. ووداعاً للاشتراكية!
لكن أكثر ما يلفت في الرؤية الجديدة هو الربط المباشر بين الاقتصاد والأمن.
فالحكومة تراهن على جذب استثمارات أمريكية وخليجية، وتقدر الأخيرة بنحو 50 مليار دولار، إلا أن هذا الهدف، بحسب المعلومات المتداولة، مشروط بفرض سيطرة كاملة على السلاح وحصره بيد الدولة.
وتواجه الحكومة عقبة تتمثل في رفض بعض الفصائل المسلحة الانخراط في خطط الدمج المطروحة حالياً.
وخلال اجتماع مع المحافظين الأسبوع الماضي، شدد الزيدي على أهمية المضي في حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل مدخلاً أساسياً لدعم التنمية الاقتصادية وتحفيز الاستثمار.
وفي خطابه خلال عطلة العيد، ذهب الزيدي أبعد من الإجراءات المالية المباشرة، عندما أعلن أن حكومته تعمل على "رسم هوية اقتصادية جديدة للعراق والخروج من العقلية الاشتراكية".
ويبدو أن الزيدي يريد اقتصاداً أكثر انفتاحاً على الاستثمار العالمي، وأكثر اعتماداً على القطاع الخاص، وأقل ارتباطاً بالدولة الريعية التقليدية.
لكن هذا الطرح لا يخلو من اعتراضات سياسية واقتصادية، إذ يرى منتقدون أن المشكلة لا تكمن في "اشتراكية" الاقتصاد العراقي بقدر ما تكمن في هشاشة مؤسسات الدولة وضعف القطاع الخاص وانتشار الفساد.
وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن العراق يعيش حالة "رأسمالية مشوهة"، إذ ما يزال النفط يمول أكثر من 90% من الموازنة العامة، فيما يعاني القطاع الخاص من البيروقراطية وضعف النظام المصرفي، بينما يستمر تضخم القطاع العام في استنزاف الموارد.
الإطار خلف الزيدي
عامر الفايز، القيادي في الإطار التنسيقي، كشف أن رئيس الوزراء طلب خلال الاجتماع الأخير دعماً تشريعياً واسعاً من البرلمان، خصوصاً في ما يتعلق بإصلاح القطاع المصرفي.
وقال لـ(المدى) إن الحكومات السابقة جميعها تحدثت عن تشجيع الاستثمار الأجنبي، لكن الفارق اليوم يتمثل في وجود استقرار أمني أكبر واتجاه نحو تغيير السياسات المصرفية.
وأكد الفايز أن الإطار التنسيقي أيد الرؤية الإصلاحية التي طرحها الزيدي، وتعهدت الكتل السياسية بدفع نوابها إلى دعم القوانين المطلوبة لإنجاح المشروع.
وفي البيان الرسمي لاجتماع الاثنين، أعلن "الإطار" دعمه الكامل للحكومة "نيابياً وسياسياً وإعلامياً"، مؤكداً ضرورة الإسراع في استكمال الكابينة الوزارية، ودعم الحلول المقترحة لمعالجة الأزمة الاقتصادية وأزمة الكهرباء وتفعيل قوانين العمل والضمان الاجتماعي.