تغيير حجم الخط     

ادفع وأخرج».. تسويات مع 50 فاسداً لاستعادة 200 مليار دولار! الاعتراضات تهمس داخل "الإطار" والمسيّرة تتكلم فوق الخضراء

مشاركة » الخميس يوليو 02, 2026 5:33 am

6.jpg
 
بغداد/ تميم الحسن

تراهن بغداد، بحسب تقديرات متداولة، على تحصيل ما بين 350 و500 مليار دولار عبر ثلاثة مسارات متوازية؛ أولها استعادة الأموال المنهوبة من خلال تسويات مع متهمين بالفساد، وثانيها جذب استثمارات أميركية، وثالثها الحصول على دعم خليجي، في مشروع يبدو أكبر من مجرد حملة اعتقالات، وأقرب إلى محاولة لإعادة بناء الاقتصاد والدولة معاً.
وكان رئيس الوزراء علي الزيدي قد كشف في مقابلة صحافية عن توجه حكومته إلى عقد "تسويات" مع شخصيات سياسية ورجال أعمال متهمين بالفساد، بعضهم يخضع حالياً للاعتقال ضمن ما بات يُعرف إعلامياً بـ"حملة الفجر".
وفي وقت مبكر من عمر الحكومة، التي تشكلت في منتصف أيار الماضي بموافقة قوى "الإطار التنسيقي"، كانت (المدى) قد كشفت عن خطة قدمتها الحكومة تحت عنوان "الإصلاح الاقتصادي"، تضمنت ثلاثة مسارات رئيسية لإنقاذ المالية العامة، إلى جانب قرارات وصفت آنذاك بأنها غير مسبوقة من حيث الجرأة.
واعتقلت الحكومة حتى الآن 21 مسؤولاً ونائباً في قضايا فساد. وفي المقابل، يوجد ما لا يقل عن ضعف هذا العدد من المسؤولين الذين يواجهون اتهامات تتعلق بـ"تضخم الأموال" أو ما يعرف بالكسب غير المشروع.
وتأتي هذه الإجراءات في لحظة مالية هي الأصعب منذ سنوات، إذ يواجه العراق أزمة سيولة خانقة، بينما تتجاوز الديون العامة 83 مليار دولار.
وكان الزيدي قد أعلن، عقب تسلمه رئاسة الحكومة، أنه لم يجد في خزينة الدولة سوى تريليون دينار، وهو رقم أعاد إلى الواجهة تصريحات رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي، الذي قال سابقاً إنه سلّم الحكومة اللاحقة، برئاسة محمد شياع السوداني، خزينة تضم نحو 100 تريليون دينار.
"الريتز" بنسخة عراقية: التسوية فوق القانون؟
وفي الأوساط السياسية يتردد رقم آخر أكثر إثارة؛ إذ تشير تقديرات إلى أن ما يقارب 200 مليار دولار موجودة بحوزة شخصيات تُعرف إعلامياً بـ"حيتان الفساد"، وهو الرقم الذي يدفع الحكومة إلى التفكير بخيار التسويات بدلاً من الاكتفاء بالملاحقات القضائية.
وتقول مصادر سياسية لـ(المدى) إن أغلب المتهمين بالفساد، بعد توقيفهم، لا يدركون حجم الأدلة التي تمتلكها الحكومة ضدهم، ولا طبيعة الملفات التي قد تبقيهم سنوات طويلة خلف القضبان.
وتضيف المصادر أن "الدولة لن تستعيد فلساً واحداً إذا اكتفت بإيداع الفاسدين السجون، لأن هؤلاء محترفون في إخفاء الأموال المنهوبة ونقلها وإخفاء مساراتها".
وقد كشفت مقاطع فيديو نشرها مجلس القضاء الأعلى عن عمليات حفر في مزارع، وتكسير جدران ومخابئ استخدمت لإخفاء مليارات الدنانير، فيما تشير المعلومات إلى أن إجمالي الأموال المضبوطة حتى الآن يقترب من مليار دولار فقط، وهو رقم يبقى بعيداً جداً عن التقديرات المتداولة لحجم الأموال المنهوبة.
لكن خيار التسويات لا يحظى بإجماع سياسي أو قانوني.
فالنائب محمد الخفاجي يعترض على هذا المسار، مؤكداً أن المادة (19) من قانون هيئة النزاهة تفرض عقوبة لا تقل عن سبع سنوات في قضايا الكسب غير المشروع.
ويشير الخفاجي إلى أن القانون لا يكتفي بالسجن، بل يلزم المدان بإعادة الأموال التي حصل عليها بصورة غير مشروعة، فضلاً عن دفع غرامة تعادل ضعف تلك الأموال.
ويعيد هذا الجدل إلى الأذهان تجارب الحكومات السابقة في استعادة الأموال المنهوبة، والتي انتهت بنتائج محدودة.
فبعد الكشف عن قضية "سرقة القرن"، نجحت حكومة محمد شياع السوداني في استرداد أقل من 10‌% من الأموال، التي قدرت بنحو 4 تريليونات دينار.
وقبلها رفع رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي شعاره الشهير في مكافحة الفساد: "إعادة الأموال أو السجن"، فيما شكل مصطفى الكاظمي لاحقاً لجنة "أبو رغيف" التي أثارت جدلاً واسعاً بعد اتهامها باستخدام أساليب تعذيب بحق بعض الموقوفين.
وشُبّهت تجربة الكاظمي بما جرى في السعودية خلال حملة "ريتز كارلتون"، وإن كانت أقل اتساعاً، وخلال تلك الحملة، اعتقل 11 مسؤولاً في حكومة عادل عبد المهدي التي سبقته، وتسربت آنذاك أسماء عدد منهم، أبرزهم:
سالار محمد أمين، النائب السابق لرئيس هيئة الاستثمار، الذي أُلقي القبض عليه أثناء محاولته مغادرة البلاد عبر مطار بغداد.
أحمد الساعدي، رئيس صندوق التقاعد، بعد ساعات من صدور قرار بإقالته.
بهاء عبد الحسين، رئيس شركة الدفع الإلكتروني (كي كارد)، بعدما تسربت معلومات عن اعترافه بوجود نحو 200 بطاقة بأسماء وهمية تُصرف من خلالها رواتب.
عادل خضير، رئيس المصرف الزراعي السابق، مع نجله.
عمار موسى، مدير عام دائرة الماء في أمانة بغداد (أمين بغداد حالياً).
فايد الشمري وجواد الكرعاوي (أبو أكثم)، وهما مسؤولان سابقان في إدارة مطار النجف، الذي أحاطت به شبهات فساد واسعة.
شاكر الزاملي، رئيس هيئة استثمار بغداد.
كما شملت الإجراءات آنذاك موظفين في وزارة المالية، إلى جانب قرارات منع سفر بحق أمينة بغداد السابقة ذكرى علوش، ومديرة العقود في وزارة التخطيط أزهار الربيعي.
وفي موازاة ذلك، أعلنت هيئة النزاهة في ذلك العام (2020) صدور أوامر قبض واستقدام بحق 86 مسؤولاً رفيعاً، بينهم وزراء ونواب، في واحدة من أكبر حملات الملاحقة القضائية منذ عام 2003.
وكان هناك قاسم مشترك آخر بين حملة الكاظمي وحملة الزيدي، يتمثل في استثمار المناخ الذي وفرته مواقف المرجعية الدينية بشأن مكافحة الفساد.
فالزيدي، كما فعل الكاظمي من قبله، يتحرك في ظل إشارات صدرت عن المرجعية العليا، التي طالبت مراراً الحكومات العراقية بالانتقال من الشعارات إلى الإجراءات العملية.
وكان المرجع الديني الأعلى علي السيستاني قد دعا، عقب لقائه ممثلة بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) آنذاك، جينين بلاسخارت، في 2020، إلى اتخاذ خطوات جادة لمكافحة الفساد، وهو موقف اكتسب ثقلاً سياسياً ومعنوياً داخل المشهد العراقي.
ويبدو أن الحكومات المتعاقبة حاولت، بدرجات متفاوتة، الاستناد إلى هذا الغطاء في إطلاق حملاتها، وإن كانت النتائج على الأرض بقيت محدودة.
الأزمة المالية.. وتراجع زخم الحملة
وبعيداً عن الشعارات، يربط خبراء الاقتصاد بين التصعيد الحالي وبين الأزمة المالية التي تواجهها الحكومة.
ويرى الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أن الضائقة المالية هي العامل الحاسم الذي دفع الحكومة إلى فتح هذا الملف بهذه القوة، معتبراً أن الظروف الاقتصادية، أكثر من الاعتبارات السياسية، هي التي فرضت إيقاع حملة "الفجر".
ويقول الهاشمي إن الحكومة، لولا أزمة السيولة الحالية، ربما لم تكن لتذهب إلى هذا المستوى من المواجهة مع شبكات الفساد.
لكن، في المقابل، بدأت تظهر مؤشرات يراها البعض مثيرة للتساؤل.
فقد ترددت معلومات عن خروج بعض الموقوفين، أو بدء إجراءات قانونية قد تنتهي بإطلاق سراحهم، ومن بينهم النائب محمد الصيهود، الذي قيل إنه غادر الاحتجاز بكفالة لأسباب صحية.
كما تتحدث تسريبات عن احتمال أن تكون بعض تلك الإجراءات تمهيداً لإطلاق سراح شخصيات أخرى، أو إغلاق ملفاتها بتسويات، ومن بين الأسماء التي يجري تداولها النائبة السابقة عالية نصيف، التي صدر بحقها حكم في قضية تتعلق بالتشهير بأحد موظفي وزارة الداخلية، فيما يذهب آخرون إلى الحديث عن احتمال تكرار سيناريو نور زهير في قضية "سرقة القرن"، سواء عبر التسويات أو عبر الهروب.
ويرى الهاشمي، في تعليقات نشرها عبر صفحته في "فيسبوك"، أن زخم الاعتقالات بدأ يتراجع مقارنة بالأيام الأولى للحملة، وأن شبكات الفساد أصبحت أكثر حذراً في التعامل مع الإجراءات الحكومية، بعدما أدركت طبيعة التحركات الجارية.
ومع ذلك، تبقى الصورة غير مكتملة.
فبعد مرور 4 أيام على انطلاق الحملة، ما يزال الغموض يحيط بالأرقام الرسمية للمطلوبين والموقوفين، التي تتغير بصورة مستمرة، فيما تتجه الأنظار إلى أسماء لم تظهر حتى الآن في القوائم المعلنة.
وكان المتحدث باسم رئيس الوزراء، حيدر العبودي، قد أعلن أن "صولة الفجر" أسفرت عن إلقاء القبض على 21 متهماً، فيما تستمر عمليات تعقب آخرين.
لكن الإعلام الحكومي كان قد تحدث، في وقت سابق، عن توقيف 47 نائباً ومسؤولاً في قضايا فساد، من دون أن يكشف سوى عن 15 اسماً، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات بشأن مصير بقية الموقوفين، وما إذا كانوا ما زالوا رهن الاحتجاز، أم أُطلق سراح بعضهم بعد استكمال التحقيقات.
ولا تُقرأ حملة "الفجر" في بغداد بوصفها حملة لمكافحة الفساد فقط، بل كجزء من مشروع سياسي وأمني أوسع. ففي الأوساط السياسية تتردد تقديرات تربطها بتفاهمات عراقية - أميركية تتعلق بتقليص النفوذ الإيراني، وحصر السلاح بيد الدولة، وإعادة هيكلة الاقتصاد.
ووفق هذه القراءة، فإن ما يُعرف إعلامياً بـ"اتفاق الزيدي – باراك" يقوم على مسارات متوازية تبدأ بتجفيف مصادر التمويل غير المشروع، وتمر بإصلاحات اقتصادية، وصولاً إلى حصر السلاح، وهو ما ينسجم مع المهلة الحكومية الممتدة حتى نهاية أيلول، ورؤية رئيس الوزراء علي الزيدي للانتقال إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً.
لكن هذه المقاربة تواجه اعتراضات داخل بعض القوى السياسية، التي ترى أن الاعتقالات ركزت على شخصيات مقربة من الحكومة السابقة، فيما تعمد الحكومة إلى إدارة الحملة بحذر لتجنب صدام داخل التحالف الحاكم، مع الحرص على إظهار جدية أمام واشنطن قبيل زيارة الزيدي المرتقبة إليها منتصف تموز.
وبحسب معلومات حصلت عليها (المدى)، فإن "الإطار التنسيقي" وافق مطلع حزيران على خطة "الثلاثية"، التي تقوم على إصلاحات اقتصادية، واستعادة الأموال المنهوبة، واستقطاب استثمارات أميركية ومنح خليجية، غير أن نجاح هذه المسارات يبقى، وفق تلك التقديرات، مرتبطاً بالتقدم في ملف تفكيك الفصائل المسلحة.
وفي هذا السياق، أثار إسقاط طائرة مسيرة فوق المنطقة الخضراء، الثلاثاء، تكهنات سياسية عدّتها بعض الأوساط أول إشارة إلى حجم الاعتراض المحتمل على مشروع حصر السلاح، رغم عدم وجود أي رواية رسمية تربط الحادثة بحملة "الفجر" أو بهذا الملف.
الرضا الصامت.. والاعتراض المكتوم
وفي داخل أروقة القوى السياسية، لا يبدو أن حملة "الفجر" تُستقبل بالحماسة التي توحي بها البيانات الرسمية. فبحسب الباحث والأكاديمي محمد نعناع، فإن المزاج الحقيقي داخل قوى "الإطار التنسيقي" يختلف كثيراً عما يظهر في الخطاب العلني.
ويرى نعناع أن المعلومات المتسربة من اجتماعات قادة الإطار وقادة العملية السياسية تشير إلى حالة من عدم الارتياح إزاء مسار الحملة، إلا أن هذا الاعتراض لا يجد طريقه إلى العلن، لأن إعلان موقف صريح ضد ملاحقة الفساد سيضع أصحابه في مواجهة الرأي العام والإعلام، في لحظة تبدو فيها مكافحة الفساد مطلباً شعبياً يصعب معارضته.
ويقول لـ(المدى) إن هذا الحذر ينعكس بوضوح على أداء وسائل الإعلام القريبة من تلك القوى، وكذلك على خطاب عدد من المحللين ومقدمي البرامج المحسوبين عليها.
ففي القضايا السياسية الأخرى، يضيف نعناع، تميل هذه المنصات إلى التصعيد والمبالغة في تناول الأحداث، حتى وإن كانت محدودة الأثر، بينما تتعامل مع حملة "الفجر" ببرود لافت، وتتجنب الخوض في تفاصيلها أو الدفاع عنها بحماس، رغم أنها تمثل، بحسب وصفه، واحدة من أوسع عمليات ملاحقة الفساد منذ سنوات.
ويقرأ نعناع هذا السلوك بوصفه مؤشراً على وجود اعتراض مكتوم أكثر منه دعماً فعلياً، فالقوى السياسية - بحسب تقديره - لا تستطيع مواجهة الحملة مباشرة، لأنها تحظى بتأييد شعبي، كما أنها تُدار تحت إشراف السلطة القضائية، الأمر الذي يجعل الاعتراض عليها أكثر كلفة سياسياً.
شراء الوقت.. بانتظار ما بعد ترامب
ولا يقتصر تفسير نعناع على الداخل العراقي، بل يربطه أيضاً بالمتغيرات الإقليمية والدولية.
فهو يعتقد أن جزءاً من مرونة القوى السياسية في التعاطي مع الإجراءات الحكومية يرتبط برغبتها في تجنب صدام مباشر مع الولايات المتحدة في هذه المرحلة، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تخفيف الضغوط الخارجية على الحكومة، ومن ثم على القوى المشاركة فيها.
وبحسب قراءته، فإن هذه القوى لا تنظر إلى ما يجري بوصفه تحولاً نهائياً في موازين القوة، بقدر ما تعتبره مرحلة مؤقتة تستوجب امتصاص الضغوط، أو ما يسميه "الانحناء للعاصفة".
ويرى أن الرهان يتمثل في كسب الوقت إلى حين انتهاء ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على أمل أن تفتح الإدارة الأميركية المقبلة مسارات تفاوض جديدة، ضمن توازنات إقليمية ودولية مختلفة، تسمح بإعادة ترتيب العلاقة بين بغداد وواشنطن، وبين القوى السياسية العراقية نفسها.
ومن هذا المنظور، يعتقد نعناع أن كثيراً من القوى لا تتصرف باعتبارها تخسر نفوذها بصورة نهائية، وإنما باعتبارها تمر بمرحلة ضاغطة يمكن تجاوزها إذا تغيرت الظروف الدولية.
ورغم اعتقاده بوجود اعتراضات داخلية، فإن نعناع يرجح استمرار حملة "الفجر"، ليس فقط لأنها تحظى بقبول شعبي، بل لأنها أصبحت جزءاً من مشروع حكومي أوسع لمعالجة الأزمة المالية واستعادة سيولة الدولة.
ويضيف أن الحكومة تجد دعماً خارجياً لهذا المسار، ويشير في هذا السياق إلى اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء علي الزيدي بالمبعوث الأميركي توم باراك، معتبراً أن الرسائل التي خرج بها اللقاء ركزت على ضرورة تعزيز مؤسسات الدولة، وهو هدف، بحسب تقديره، لا يمكن تحقيقه من دون ضرب شبكات الفساد، وتجفيف مصادر تمويلها، وحصر السلاح بيد الدولة.
ويخلص نعناع إلى أن ملفات الفساد والسلاح والتدخلات الخارجية ليست قضايا منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة، وأن أي محاولة لبناء مؤسسات دولة مستقلة لن تنجح إذا اقتصر التعامل مع أحد هذه الملفات دون الآخر.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات