تغيير حجم الخط     

جمهورية "ادفع واخرج": العراق يفاوض لصوصه! بغداد تريد المليارات.. والفاسدون يريدون النجاة والنفوذ من جديد

مشاركة » الأحد يوليو 12, 2026 6:54 am

3.jpg
 
بغداد/ تميم الحسن


يستعد الفاسدون الذين انشغل الشارع بأخبارهم طوال الأسبوعين الماضيين ضمن ما عُرف بـ"حملة الفجر"، للعودة إلى الأضواء، إذ سيكون بمقدورهم التأسيس لأحزاب والظهور في الإعلام، مقابل حرمانهم فقط من تسلم المناصب التنفيذية مجددًا.
هذه النتيجة، التي دارت في الغرف المغلقة والأوساط السياسية، تكرست كواقع بعد تأكيد القضاء لما نشرته (المدى) مطلع تموز الجاري بشأن "التسوية مع سراق المال العام".
وهي تسوية أحدثت صدمة وخيبة أمل واسعة في الشارع لاحتمال الإفراج عن "حيتان الفساد"، وتنسف بالتالي أي محاولة حقيقية لاجتثاث نفوذ الفصائل المسلحة المتخادمة مع "الحيتان" والحد من التغلغل الإيراني.
من السجن إلى الكواليس السياسية
مصادر سياسية مطلعة تحدثت لـ(المدى) عن ثغرة قانونية كبرى قد تتحول إلى طوق نجاة لمعتقلي "حملة الفجر". وتقول المصادر إن قانون العفو العام، الذي مُرِّر تعديله الثاني قبل أكثر من عام ونصف، يمنح الموقوفين فرصة لاستئناف حياتهم العامة بعد تسوية ملفاتهم القضائية.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة إذا ما وُضعت في سياق الأرقام التي رافقت تطبيق قانون العفو العام منذ مطلع عام 2025، حيث أُفرج عن أكثر من 40 ألف متهم، بينهم نسبة ليست قليلة من المتورطين في قضايا فساد إداري ومالي.
وتؤكد المصادر أن هؤلاء المتهمين باستنزاف المال العام، وبموجب "التسوية القضائية - السياسية" المفصلة على مقاس القانون، سيتمتعون بكامل الحق في ممارسة العمل السياسي الحزبي والتأثير في الكواليس، مع وضع قيد وحيد يقضي بمنعهم من الترشح للانتخابات أو تولي مناصب تنفيذية في الدولة.
ولهذا لا ينظر خصوم التسوية إليها على أنها مجرد إجراء قضائي لاستعادة الأموال، بل باعتبارها بوابة محتملة لعودة "حيتان الفساد" إلى التأثير السياسي.
الاعتراضات لم تتأخر، فقد رفض رئيس "تيار الحكمة" عمار الحكيم أي تساهل مع المتورطين بسرقة المال العام، داعيًا إلى محاكمات علنية لكبار الفاسدين، ومؤكدًا أن الانتماء أو الموقع السياسي لا يجب أن يكون سببًا للإفلات من العقاب.
كما أعاد النائب محمد الخفاجي فتح ملفات تعديل قانون العفو العام، مستحضرًا الاعتراضات التي رافقت تمريره، والطعن الذي قُدم آنذاك ضد فكرة "التسوية مع الفاسدين"، ورفض إعادة المحاكمات بطريقة قد تسمح بطي الملف دون محاسبة حقيقية.
ويذكر الخفاجي بأن المادة (19) من قانون هيئة النزاهة لا تكتفي بعقوبة السجن، بل تلزم المدان برد الأموال غير المشروعة وفرض غرامات مالية تعادل ضعف ما جرى الاستيلاء عليه.
وأعلن مجلس القضاء، الجمعة الماضية، اعتماد آلية تسمح بتخفيف العقوبات عن المتورطين في قضايا الفساد المالي والإداري مقابل إعادة الأموال المختلسة إلى خزينة الدولة طوعًا.
وأوضحت السلطات القضائية أن الآلية الجديدة ستطبق أولًا في القضية الأشهر، المعروفة بـ"سرقة القرن"، قبل أن تمتد إلى ملفات فساد كبرى أخرى تطال نوابًا ومسؤولين حاليين وسابقين.
وتأتي هذه الخطوة بعد أيام من إعلان السلطات توقيف عشرات المشتبه بهم في قضايا فساد مالي وإداري، بينهم نواب ومسؤولون رُفعت عنهم الحصانة القانونية.
وهي حملة توسعت على وقع اعترافات مرتبطة بقضية وكيل وزارة النفط الموقوف عدنان الجميلي، الذي أُقيل من منصبه مطلع حزيران الماضي على خلفية شبهات تتعلق بهدر المال العام وإبرام عقود غير قانونية.
وكانت "المدى" قد كشفت، في الثاني من تموز الحالي، للمرة الأولى عن تفاصيل هذه التسوية، مشيرة إلى أن الحكومة تدرس استرداد ما يقدر بنحو 200 مليار دولار من الأموال المنهوبة، عبر تخفيف العقوبات عن المتورطين مقابل إعادة الأموال.
الدول العميقة!
وعلى وقع هذه التطورات، يستعد رئيس الحكومة علي الزيدي لزيارة واشنطن هذا الأسبوع للقاء الرئيس دونالد ترامب للمرة الأولى.
وكان الزيدي يأمل أن يحمل في جعبته نقاطًا قوية تؤكد حسمه لملفات الفساد والسلاح المنفلت، وتحجيم النفوذ الإيراني، وهو ما يبدو أنه تعثر تحت وطأة الضغوط.
ويرى رئيس "المركز العربي - الاستراتيجي للدراسات الستراتيجية"، أحمد الياسري، أن الزيدي يحاول ضبط حبل التوازنات الدقيق لتحقيق مكاسب داخلية وخارجية.
ويقول الياسري لـ(المدى) إن على المستوى الأمريكي، فإن إدارة ترامب تسعى لتوظيف تحركات الزيدي لمنحه الشرعية والدعم وتجنيب العراق العقوبات، شريطة أن يتبنى العراق موقفًا "محايدًا" كدولة كابحة لتسرب الأموال.
ويشير الياسري إلى أن هذا المسار بدأ في عهد حكومة محمد شياع السوداني عبر إدخال شركات مراقبة مرتبطة بالخزانة الأمريكية، نجحت في "تنشيف" تهريب الأموال إلى الخارج، لكنها أخفقت داخليًا، مما دفع الفاسدين (مثل عدنان الجميلي) إلى تخبئة الأموال في الداخل بدلًا من استثمارها في دول الجوار كما كان يحدث في عهد حكومة المالكي.
ويوضح الياسري أن العراق لا يعاني من دولة عميقة واحدة، بل من "دول عميقة" متعددة تملك المال والتبعية الحزبية والطائفية. ومحاولة الزيدي لحصر دور هذه الكيانات وإعادتها إلى "حظيرة الدولة" عبر تسوية بمزاج أمني، تخدم واشنطن لأنها تقوض مجاميع المال التي تغذي مجاميع السلاح.
رسائل إيرانية مشفرة
المفارقة تكمن في أن هذه الخطوة قد تحقق مصلحة إيرانية موازية، فوفقًا للياسري، تريد طهران دولة عميقة منضبطة تحت سيطرة "الإطار التنسيقي" أو الفصائل، وتخشى نمو قوى مالية فاسدة ومستقلة تتصرف مع دول عربية أو أجنبية وتنافس النفوذ الإيراني.
ومع ذلك، فإن قدرة بغداد على تحجيم الفصائل تبدو محفوفة بالمخاطر، لا سيما مع الرسائل الإيرانية الأخيرة التي تجلت في استعراض النفوذ خلال جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في النجف، وظهور قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني علنًا.
وفي لهجة تهديد واضحة، دعت "كتائب حزب الله" الحكومة إلى "الانصياع للمقاومة"، محذرة في بيان لها من "الانجراف في ركاب المشاريع الاستكبارية".
وتؤكد مصادر خاصة لـ(المدى) أن الفصائل ترفض تسليم ترسانتها الثقيلة بطلب مباشر من طهران، التي تعتبر السلاح ورقة ضغط أساسية في مفاوضاتها مع واشنطن، خاصة بعد انهيار مسار التفاوض الأسبوع الماضي وتجدد الضربات المتبادلة.
قطار المحاسبة يفرمل عند "الخط الأول"!
في المحصلة، يواجه الزيدي - بحسب الياسري - مأزقًا حادًا في السيولة المالية، ويبحث عن شرعية شعبية عبر بوابة "محاربة الفساد" التي يتفق عليها العراقيون.
ويضيف الياسري: لكن العائق الأكبر يبقى "بنيويًا وقانونيًا"، فالتشريعات العراقية تفتقر إلى قوانين الخيانة العظمى في القضايا المالية، وتتساوى فيها سرقة دينار واحد مع سرقة الملايين، وهو نقص تشريعي تعمدت النخب السياسية الإبقاء عليه.
لذا، ووفقًا للياسري، يمسك رئيس الحكومة العصا من المنتصف: يرضي الغرور الإيراني، ويراعي الحيثية الأمريكية، ويحقق مصلحة داخلية عبر جباية الأموال لإنعاش الموازنة المثقلة بالديون (حيث تستهدف التسوية استرداد نحو 200 مليار دولار).
لكن السؤال الجوهري يبقى معلقًا: هل تقضي هذه "التسوية المزدوجة" على الفساد؟ يشكك الياسري في ذلك، فـ"فاقد الشيء لا يعطيه"، والمنظومة لا يمكن أن تكون الخصم والحكم في آن واحد.
لكنه يقول: يُحسب للزيدي "نقله لعملية التحييد من الكتل الصغيرة إلى الكتل المتوسطة واعتقال نواب"، فيما يؤكد أن قطار المحاسبة لم يصل بعد - ولربما لن يصل - إلى الخط الأول من رؤساء الوزراء وزعماء الأحزاب الكبيرة.
"الحالم" في حقل الألغام!
ولا يخوض الزيدي معركته من دون أثمان. فبحسب مصادر داخل "الإطار التنسيقي"، يتعرض رئيس الحكومة إلى ضغوط متزايدة واعتراضات من قادة في التحالف الشيعي، على خلفية الإجراءات الأخيرة التي اتخذها من دون إطلاع "الإطار" مسبقًا على التفاصيل.
وتتحدث المصادر عن امتعاض داخل بعض الأوساط السياسية من لجوء الحكومة إلى استخدام الدبابات خلال تنفيذ المداهمات والاعتقالات.
وكانت (المدى) قد كشفت، في تقرير نُشر الأسبوع الماضي، عن وجود "خطة سرية" تهدف إلى إرباك إجراءات الزيدي والحد من اندفاعته في فتح ملفات الفساد، وسط مخاوف لدى أطراف سياسية من أن تتسع التحقيقات لتشمل أسماء وشبكات نفوذ جديدة.
ويقول قيادي في "الإطار التنسيقي" لـ(المدى) إن رئيس الوزراء علي الزيدي "يبدو حالمًا، إلى حد ما، في بعض الملفات التي يطرحها أمام قادة الإطار".
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات