بغداد / تميم الحسن
بعد 5 أيام حافلة في واشنطن، يعود رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى الجهة التي اعتادت أن تكون المحطة التالية لأي رئيس حكومة عراقي، وهي طهران.
لكن هذه المرة لا تبدو الزيارة امتدادًا للبروتوكول، بل اختبارًا لما إذا كانت الوعود التي حملها من العاصمة الأمريكية ستصمد عند أول منعطف إيراني.
وتقول مصادر سياسية مطلعة لـ(المدى) إن الزيدي سيطلب، خلال زيارته إلى إيران، المقررة في 23 تموز الجاري، أن تمارس طهران ضغوطًا على الفصائل المسلحة للإفراج عما تصفه المصادر بـ"الورقة الباليستية"، وتسليم الصواريخ الموجودة بحوزتها قبل 30 أيلول المقبل، وهو الموعد الذي حددته الحكومة لإنهاء ملف السلاح خارج الدولة.
وتضيف المصادر أن اللقاءات في طهران ستركز بصورة أساسية على الجماعات التي باتت توصف داخل أوساط حكومية بـ"المتمردة"، والتي ترفض نزع سلاحها، فيما تشير التقديرات إلى أنها تخفي مئات المسيّرات، إضافة إلى ما لا يقل عن "8 صواريخ باليستية"، حصلت عليها من إيران، وترفض تسليمها بتحريض من طهران.
وترى المصادر أن الحكومة باتت أمام اختبار حاسم، فإذا لم يتمكن الزيدي من تنفيذ تعهده بتفكيك السلاح بحلول نهاية أيلول، فإن كثيرًا من المكاسب التي عاد بها من واشنطن ستكون مهددة.
المحطة الثانية دائمًا طهران!
وكان الزيدي قد غيّر مسار جولته الخارجية. فبعد اختتام زيارته الرسمية إلى الولايات المتحدة، توجه إلى قطر لتقديم التعازي بوفاة والد أميرها، ثم إلى طهران نهاية الأسبوع الحالي، وتركيا في 28 تموز، مع زيارة محتملة إلى السعودية.
وكان البرنامج الأولي يقضي بزيارة تركيا ثم السعودية بعد واشنطن، في إطار جولة اقتصادية واستثمارية، إلا أن إدراج طهران بين المحطتين أعاد التذكير بالقاعدة التي رافقت أغلب رؤساء الحكومات العراقية، حيث كانت العاصمة الإيرانية المحطة التالية مباشرة بعد أي زيارة إلى واشنطن.
وفي واشنطن، أعلن وزير الخارجية فؤاد حسين أن رئيس الوزراء سيزور إيران بعد أيام من زيارته الأمريكية، مؤكدًا أن بغداد ستطرح خلال الزيارة مبادرة تدعو إلى وقف الحرب وتهيئة الأجواء للحوار، مع استعداد العراق للقيام بدور الوسيط بين طهران وواشنطن، ولا سيما في الملفات الاقتصادية.
وأوضح حسين، في مقابلة صحفية، أن جولة الزيدي تشمل أيضًا تركيا، مع زيارة محتملة إلى السعودية، مشددًا على أن العراق لا يحمل رسائل أمريكية إلى إيران، لكنه سينقل الانطباعات التي سمعها في واشنطن، إلى جانب الموقف العراقي.
وأضاف أن الحرب ألحقت أضرارًا مباشرة بالعراق، خصوصًا بقطاع النفط نتيجة الاعتماد على مضيق هرمز، مؤكدًا أن إنهاء الحرب والعودة إلى الحوار يمثلان أولوية عراقية.
هل يسير الزيدي على طريق أسلافه؟
وكان الزيدي اختتم، مساء السبت، زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة استمرت 5 أيام، ركزت على تعزيز الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، إلى جانب توسيع التعاون الأمني والمالي.
وشهدت الزيارة لقاءات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكبار المسؤولين في البيت الأبيض والكونغرس ووزارة الحرب والخزانة، إضافة إلى اجتماعات مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وشركات أمريكية كبرى في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والتمويل.
كما رعى توقيع 48 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين مؤسسات عراقية وأمريكية، شملت قطاعات النفط والطاقة والصناعة والتكنولوجيا والقطاع المالي، فضلًا عن اتفاق لإعادة سبعة مصارف عراقية إلى شبكة المراسلة المصرفية الخارجية، وتوقيع مذكرة تفاهم لإنشاء خط أنابيب لتصدير النفط العراقي عبر الموانئ السورية، إضافة إلى الإعلان عن مشاريع استثمارية، أبرزها "مدينة الطاقة" في الفاو.
لكن محللين يرون أن الامتحان الحقيقي للزيدي لن يكون في واشنطن، بل في بغداد. فما حمله من تفاهمات واتفاقات لن يقاس بصور المصافحة مع دونالد ترامب أو بحصيلة الـ48 اتفاقًا، بل بما سيفعله عندما يعود إلى الداخل.
فالعراق عرف رؤساء حكومات عادوا من واشنطن وهم يتحدثون بلغة لا تقل حماسة عن خطاب الديمقراطيين والعلمانيين، قبل أن ينتهي بهم الأمر إلى مسايرة الفصائل، ومحاباة طهران، والخضوع لمعادلات الفساد.
لذلك، فإن رحلة الزيدي إلى الولايات المتحدة لا تُختبر هناك، بل تبدأ لحظة هبوط طائرته في بغداد، حيث سيتقرر إن كان سينفذ ما تعهد به، أم سيلتحق بقائمة أسلافه الذين غيّرتهم حسابات الداخل أكثر مما غيّرتهم وعود الخارج.
"رسائل رفض استباقية"
ويقول إحسان الشمري، أستاذ السياسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، إن الزيدي سيواجه رفضًا من داخل حاضنته السياسية، ممثلة بالإطار التنسيقي وبعض القوى الفاعلة، رغم وجود تأييد شعبي وتفاؤل حذر بإمكانية تنفيذ الاتفاقات بما ينعكس على حياة المواطنين.
ويضيف الشمري لـ(المدى) أن من الخطأ تفسير الهجمات الأخيرة على إقليم كردستان باعتبارها جزءًا من الصراع الأمريكي الإيراني فقط، معتبرًا أنها تمثل أيضًا "رسائل استقبال ورفض لسياسات علي الزيدي"، مرجحًا أن تتبعها خطوات تصعيدية أخرى.
ويرى أن الضغوط لن تقتصر على الجانب الأمني، بل ستشمل محاولات لإرباك الحكومة سياسيًا، سواء عبر استكمال الكابينة الوزارية، أو تعطيل النصاب داخل مجلس الوزراء، أو السعي لاستبدال بعض الوزراء، فضلًا عن عرقلة تنفيذ التزامات الحكومة في ملف تفكيك السلاح وتقليص النفوذ الإيراني، إضافة إلى الضغط لوقف حملة مكافحة الفساد واعتقال ما يعرف بـ"بؤر الفساد".
ويحذر الشمري من أن الزيدي قد يواجه "أزمة سياسية وأمنية مركبة"، خصوصًا إذا استمرت الهجمات على الإقليم، أو تصاعد الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة، الأمر الذي قد يحول العراق إلى ساحة صراع واستهداف للمصالح الأمريكية.
ويخلص إلى أن ما بعد زيارة واشنطن يمثل التحدي الأكبر للزيدي، ويعد اختبارًا لقدرة الدولة على تنفيذ ما التزمت به.
"زيارة تأسيسية"
ويصف الشمري الزيارة إلى واشنطن بأنها "زيارة تأسيسية"، معتبرًا أنها تعيد تعريف العلاقة بين بغداد وواشنطن بعد مرحلة من الجمود شملت التعاون الأمني والسياسي والدبلوماسي والاقتصادي.
ويقول إن الحفاوة التي رافقت الزيارة، إلى جانب توقيع 48 اتفاقًا ومذكرة تفاهم، تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، وتمثل تحولًا في فلسفة السياسة الخارجية العراقية، مضيفًا أن رئيس الوزراء يدرك أن العلاقة مع الولايات المتحدة يجب أن تكون مختلفة في ظل التحولات الدولية.
ويرى أن نجاح الحكومة في تنفيذ الاتفاقات قد يجعل هذه الزيارة لحظة مفصلية شبيهة بعام 2003، خاصة في ظل ما يعتبره إصرارًا أمريكيًا على استعادة العراق من دائرة النفوذ الإيراني، ولذلك يصفها بأنها "زيارة فاصلة بين مرحلتين".
"فرصة للتخلص من نفوذ إيران"
من جانبه، يرى الدبلوماسي السابق غازي فيصل أن زيارة الزيدي تمثل انتقالة نوعية في العلاقات العراقية الأمريكية بعد سنوات من الجمود، مشيرًا إلى أن العلاقات تأثرت بعدم تعيين سفير أمريكي في بغداد، واستمرار الهجمات الصاروخية على السفارة الأمريكية وإقليم كردستان، وما يزيد على 600 هجوم استهدف المصالح الأمريكية ونسب إلى فصائل متحالفة مع الحرس الثوري الإيراني.
ويقول فيصل، في حديث لـ(المدى)، إن العراق عانى خلال السنوات الماضية من صعوبة تحقيق توازن بين علاقاته مع طهران وواشنطن، وإن النفوذ الإيراني كان حاضرًا بقوة في القرار السياسي، مضيفًا أن الزيارة الحالية تمنح بغداد فرصة أوسع لاستقلال القرار السياسي والاقتصادي والأمني.
ويعتبر أن الاتفاقات الموقعة، التي يقدر قيمتها بنحو 60 مليار دولار، ولا سيما في قطاع الطاقة، تتيح للعراق فرصة لتحقيق استقلال أكبر في إنتاج الكهرباء واستثمار النفط والغاز، فضلًا عن تعزيز الاندماج الاقتصادي مع سوريا وتركيا ضمن مشروع إقليمي جديد يقلل الاعتماد على مضيق هرمز في تصدير الطاقة.
ويضيف أن الزيارة قد تفتح الباب أمام إعادة بناء القاعدة الصناعية والزراعية، وتحسين الخدمات، وخلق فرص عمل عبر الاستثمارات الأمريكية، داعيًا، في الوقت نفسه، إلى وقف تهريب النفط والأموال، وإنهاء نفوذ المافيات والجريمة المنظمة، ووقف دعم الفصائل المسلحة، بما يسمح ببناء دولة مستقرة تقوم على التنمية وسيادة القانون.
ويختم فيصل بالقول إن زيارة الزيدي "قد تشكل محطة لانتقالة نوعية"، ليس فقط في العلاقات العراقية الأمريكية، بل أيضًا في إعادة بناء العلاقات العراقية الداخلية، وتعزيز الاستقرار، والانفتاح على المنطقة وأوروبا.