لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “ذي نيويوركر” تقريرا أعده إيشان ثارور قال فيه إن الرئيس دونالد ترامب، وبعد ستة أشهر، لا يزال يخسر الحرب ضد إيران، وإن هذه الحرب تمثل “نهاية حادة للقوة والمكانة الأمريكية”.
وبدأ بالإشارة إلى بحارة حاملة الطائرات يو إس إس إبرهام لينكولن، قائلا إن فترة انتشارهم امتدت على متن الحاملة لأشهر أطول من المخطط لها بسبب طول أمد الحرب، وهو ما أدى إلى ظهور تقارير إخبارية عديدة حول تدهور الأوضاع، بما في ذلك نقص الإمدادات الغذائية ومياه الشرب، وتراجع الروح المعنوية.
وفي الأسبوع الماضي، نقلت صحيفة “ميليتري تايمز” عن أقارب بعض أفراد الخدمة أن شخصين على الأقل على متن “لينكولن” حاولا القفز من السفينة. وبعد جولة تفقدية للسفينة خلال عطلة نهاية الأسبوع، أقر الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية، بوجود ظروف “صعبة وصعبة للغاية”، لكنه وصف أيضا “العديد من جوانب” هذا الوضع المأساوي بأنها “أخبار عتيقة” سبق التطرق إليها. ومن جانبه، وصف الرئيس دونالد ترامب النقاش برمته بأنه “أخبار كاذبة”. وقال وزير الدفاع بيت هيغسيث إن الأوضاع “تم تحريفها تماما”، وأخبر الصحافيين أن الولايات المتحدة قادرة على مواصلة حصارها البحري للموانئ الإيرانية “إلى أجل غير مسمى”.
بعد 6 أشهر من شن ترامب حربا إلى جانب إسرائيل لإسقاط النظام الإيراني، يصعب النظر إلى نتيجة الصراع إلا على أنها هزيمة استراتيجية مدوية للولايات المتحدة
وفي السياق نفسه، علينا تذكر الشعب الإيراني الذي تلقى 1.5 مليون رطل من القنابل التي أسقطتها القوات على متن حاملة الطائرات “لينكولن” في عشرات الآلاف من الطلعات الجوية منذ أواخر شباط/فبراير. وبعد 6 أشهر من شن ترامب حربا إلى جانب إسرائيل لإسقاط النظام الإيراني، يصعب النظر إلى نتيجة الصراع إلا على أنها هزيمة استراتيجية مدوية للولايات المتحدة.
وقد بدأ العام باحتجاجات حاشدة مناهضة للحكومة في مدن إيرانية، أشعل فتيلها سوء إدارة النظام الديني للاقتصاد، الذي عانى لسنوات من تبعات التدخل الأمريكي المنهك. وقمعت الاحتجاجات بوحشية من قبل السلطات، ثم جاء القصف من قبل القوات الأمريكية والإسرائيلية، الذي اغتال المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، وعددا من كوادره وألحق أضرارا بالغة بسلاحي الجو والبحرية وقصف المدارس والجامعات والمرافق الصحية، ما أسفر عن مقتل أكثر من 3,000 مدني في الأسابيع الأولى من الحملة. أما النظام الناجي، فقد لجأ بدوره إلى التحصين واستخدم قدراته غير المتكافئة لإغلاق مضيق هرمز الحيوي، مستخدما جغرافية البلاد كسلاح بطرق لم يفعلها من قبل، وذلك من أجل فرض عقوبته الخاصة على الاقتصاد العالمي وممارسة الضغط على واشنطن.
والآن لم تتحقق أي من الأهداف الأولية التي طرحها ترامب، بما في ذلك إغلاق البرنامج النووي الإيراني وتفكيك قدرات إيران الصاروخية الباليستية.
بل تجد الولايات المتحدة نفسها الآن عالقة وتحاول إيجاد طريقة لحرمان إيران من أداة أساسية، وهي المضيق، التي وفرها تدخل ترامب للنظام.
ورغم المبادرات التي أعلن عنها ترامب وحلفاؤه في الفترة الأخيرة، لا يزال النفط وغيره من الإمدادات الحيوية عالقة في مياه الخليج ولا تمر بحرية كما كانت قبل الحرب.
وفي السياق نفسه، لا تزال أسعار الغاز مرتفعة، ولا تزال إيران تشن هجمات على ناقلات النفط، وتتوقع استمرار شكل من أشكال السيطرة على المضيق حتى بعد التوصل إلى تسوية دبلوماسية.
وواصلت إيران حملتها القمعية ضد المعارضة، وتقول الأمم المتحدة إن عمليات إعدام السجناء السياسيين والمعارضين في تزايد مستمر.
كل هذا رغم طمأنة ترامب الإيرانيين في بداية العام بأن “المساعدة قادمة”. وكل ما حصلوا عليه هو الدمار وتفاقم المعاناة الاقتصادية وتجدد قمع نظام يعرف الحفاظ على نفسه.
القيادة الإيرانية باتت في مزاج متحد، ففي يوم الثلاثاء، قال رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، بأن المضيق سيظل مغلقا حتى الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة
وقال ثارور إن القيادة الإيرانية باتت في مزاج متحد، ففي يوم الثلاثاء، قال رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، بأن المضيق سيظل مغلقا حتى الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج ورفع العقوبات المفروضة على النفط الإيراني ووقف العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية بشكل كامل.
وقد تكون جولة جديدة من التعيينات المتشددة في مناصب أمنية عليا من قبل المرشد الأعلى الجديد، آية الله مجتبى خامنئي، الذي يعيش في الخفاء منذ مقتل والده، المرشد السابق، مؤشرا على استعداد النظام لتحمل أي إجراءات قد يتخذها ترامب. ونقل الكاتب عن ولي نصر، أستاذ دراسات الشرق الأوسط والشؤون الدولية في جامعة جونز هوبكنز: “خرجت إيران من الحرب أقوى بكثير، ليس فقط من حيث استقرار النظام، بل على نطاق أوسع، من حيث ثقتها بنفسها. لذا، فإن الكأس بالنسبة لإيران نصف ممتلئ بالتأكيد، وحتى لو لم نستخدم صفات قاطعة مثل “الفوز” و”الخسارة”، فمن الواضح تماما أنه نصف فارغ بالنسبة للأمريكيين”.
وأشار ثارور إلى أن ترامب دخل الحرب واثقا من نفسه، ولعل سهولة إزاحة نيكولاس مادورو، الرئيس الفنزويلي، من منصبه أقنعته بالهيمنة المطلقة للقوة الأمريكية. كما كشفت الصراعات التي اندلعت في أعقاب حرب غزة عن نقاط ضعف إيران العديدة: فقد هزمت الجماعات الموالية لإيران في سوريا، وتلقت هزيمة في لبنان، ونفذت المخابرات الإسرائيلية عمليات اغتيال وتخريب ناجحة داخل إيران. ومع ذلك، فقد كان ترامب مفرطا في ثقته بنفسه، ويجد نفسه الآن عاجزا عن إنهاء حرب لم يرغب أي من جيران إيران في أن يبدأها.
وتراجعت القوة الأمريكية بشكل ملحوظ، فقد استنفدت الولايات المتحدة مخزونها من الذخائر الموجهة بدقة وذخائر الدفاع الجوي، وتعرضت قواعدها العسكرية في المنطقة لنيران إيرانية كثيفة، مما ألحق أضرارا بالمدنيين والبنية التحتية للطاقة في جميع أنحاء المنطقة. وبعض الدول، مثل الإمارات العربية المتحدة، لا تكن أي ود لطهران، لكنها تدرك أن عدوانية ترامب الحالية قد لا تصب في مصلحتها.
ولهذا يمثل التحالف الدفاعي الثلاثي الجديد بين السعودية وتركيا وباكستان، والذي رحب به ترامب علنا، رمزا لمنطقة تفكر خارج نطاق الولايات المتحدة وتسعى للتحوط من حالة عدم اليقين التي تفرضها كل من إيران العنيدة وإسرائيل العدوانية.
ويقول أليكس فاتانكا، مدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط في واشنطن: “يكمن التحول الأكبر في أن عواصم الخليج لم تعد تكتفي بالانحياز إلى سياسة الضغط الأقصى. بل إنها تتطلع بشكل متزايد إلى الاستقلال عن كل من واشنطن وطهران”.
ويضيف نصر: “ينظر الجميع الآن إلى أمريكا على أنها أقل قوة مما كانت عليه سابقا”. ويرى أن محنة ترامب هي جزء من “انهيار حاد للقوة الأمريكية ومكانتها”، ويقول: “بمجرد انتهاء هذه الحرب، ستجد الولايات المتحدة صعوبة بالغة في توجيه بقية العالم نحو أي سياسة متماسكة”.
ولا تحظى الحرب بشعبية في الولايات المتحدة وأصبحت عبئا ثقيلا على حظوظ الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي القادمة.
وقالت إيلي جيرانمايه، الباحثة السياسية البارزة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: “لقد زج ترامب نفسه في حرب خاسرة لأمريكا”، مضيفة: “يبدو أنه مقيد الآن بمغالطة التكاليف الغارقة، التي مفادها أنه نظرا لأن أمريكا أنفقت موارد وذخائر وسمعة باهظة في هذه الحرب، فلا يمكنها التراجع قبل تحقيق نصر حاسم”.
إيران الآن واثقة من قدرتها على استيعاب القصف الأمريكي، مما يضعف بشكل كبير أي تهديدات عسكرية قد تصدرها الولايات المتحدة في المستقبل
وتعتقد طهران على ما يبدو أنها قادرة على التغلب على ترامب في كل من المكر والصمود، وعلق غريغوري برو، الخبير في شؤون إيران والطاقة في مجموعة “أوراسيا”، وهي شركة استشارات في المخاطر السياسية: “إيران الآن واثقة من قدرتها على استيعاب القصف الأمريكي، مما يضعف بشكل كبير أي تهديدات عسكرية قد تصدرها الولايات المتحدة في المستقبل”. وأضاف: “بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن الولايات المتحدة قد تراجعت بشكل عام عن محاولة القيام بعمل أكثر عدوانية ضد إيران، خوفا من رد إيراني شامل”.
وقد انقضت هذا الأسبوع مهلة الـ 60 يوما الممنوحة للولايات المتحدة وإيران لحل الخلافات الكبرى، والتي تم تحديدها في حزيران/يونيو كجزء من مذكرة تفاهم سابقة، دون ضجة تذكر.
وفي يوم الثلاثاء، ثار ترامب غضبا في المكتب البيضاوي، مطالبا إيران برفع “راية الاستسلام”، بينما هدد عمان، الوسيط الدبلوماسي الرئيسي، بضربات عسكرية بسبب مفاوضاتها الموازية مع إيران بشأن إدارة مضيق هرمز. كما هاجم كوريا الجنوبية، مبررا قراره المثير للدهشة بتقليص المناورات العسكرية معها بسبب ما بدا أنه عدم تعاون سيول في دعم حرب ترامب في الشرق الأوسط. وما جاء، ربما كأوضح مثال على إحباطه، في نشر الرئيس خريطة غريبة على موقع “سوشيال تروث” تصنف مضيق هرمز على أنه “أرض أمريكية”.
إلا أن ترامب لا يستطيع الخروج من هذه الكارثة من خلال هذا “الخليج الأمريكي”.