انتقل التوتر الإسرائيلي – التركي في سوريا إلى مستوى جديد بعد اجتماع عقده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع كبار مسؤولي المؤسسة الأمنية والاستخباراتية لبحث تطورات الساحة السورية ومستقبل الدور العسكري التركي، بعد أيام من قصف مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي، وبالتوازي مع استمرار تحركات جيش الاحتلال الإسرائيلي في محافظة القنيطرة جنوب البلاد.
وكشف موقع «واي نت» الإسرائيلي أن الاجتماع، الذي عقد مساء الخميس، تناول استمرار الدعم العسكري التركي لدمشق واحتمال انتقاله إلى مستوى أكثر تقدماً، خصوصاً في مجالات الرصد والدفاع الجوي، بما قد يؤثر في حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في سوريا.
وتكمن أهمية الاجتماع في أنه نقل ملف مطار أبو الظهور من ضربة مرتبطة بقاعدة عسكرية محددة إلى نقاش أوسع داخل القيادة الإسرائيلية حول السياسة التي ستتبعها تجاه التعاون العسكري بين دمشق وأنقرة. كما نقلت القناة 12 عن مسؤولين أمنيين أن الضربة رسمت «حدوداً واضحة» للطرفين، وأن إسرائيل قد تعود إلى استخدام القوة إذا اعتبرت أن الرسالة لم تُفهم.
تفاهمات «التجميد»
أعطى السفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل ليتر تفسيراً أكثر تحديداً لما وصفه مكتب نتنياهو بـ«الوضع القائم» الذي قالت إسرائيل إن التحرك نحو أبو الظهور كان سيخرقه.
وقال ليتر إن تفاهمات ثُبتت خلال اجتماع باريس في كانون الثاني/يناير 2026 قامت، وفق الفهم الإسرائيلي، على «تجميد» التحركات العسكرية: ألا تتقدم تركيا عسكرياً داخل سوريا، مقابل ألا توسع إسرائيل انتشارها إلى مواقع إضافية وألا تُجبر على الانسحاب من المواقع التي تسيطر عليها.
غير أن المعلن رسمياً عن اجتماعات باريس اقتصر على إنشاء آلية اتصال بإشراف أمريكي لتبادل المعلومات وخفض التصعيد، ولم يُنشر نص يتضمن الصيغة التفصيلية التي تحدث عنها السفير الإسرائيلي، ما يجعلها حتى الآن تفسيراً إسرائيلياً للتفاهمات وليست اتفاقاً معلناً بصيغتها تلك.
دمشق ترفض التقييد
في المقابل، تقدم دمشق رواية مختلفة لطبيعة ما سبق قصف أبو الظهور. فقد أكد وزير الخارجية أسعد الشيباني أن لا خطة لإنشاء قاعدة تركية في المطار أو لنشر قوات تركية بصورة دائمة، وأن أبو الظهور سيبقى تحت السيادة والسيطرة السورية، فيما كانت أعمال التأهيل تستهدف إعادة استخدامه من جانب سلاح الجو السوري.
وأوضح الشيباني أن ضباطاً أتراكاً زاروا الموقع ضمن التعاون القائم في التدريب وتبادل الخبرات، لكنه نفى أن تكون الزيارة مقدمة لتمركز عسكري تركي مستقل. كما قال إن دمشق كانت على اتصال مع إسرائيل قبل الغارة، وشرحت لها طبيعة الأعمال الجارية في المطار وأكدت أن المنشأة ستبقى سورية، من دون وجود خطة لقاعدة أو حضور تركي دائم.
وكان المطار قد دخل بعد سقوط النظام ضمن بنية الجيش السوري الجديد، وأصبح مقراً للفرقة 64، مع استخدام منشآته في التدريب وإعادة التأهيل.
وتضع الرواية السورية الخلاف في إطار أوسع من مسألة وجود قوات تركية في أبو الظهور. فإعادة تأهيل المطار تأتي ضمن عملية استعادة منشآت الجيش السوري التي خرجت من الخدمة أو تعرضت للتدمير خلال السنوات الماضية، فيما ترى دمشق أن التعاون مع تركيا في التدريب وإعادة بناء القدرات يتم تحت سلطة الدولة السورية. ومن هنا يصبح الاعتراض الإسرائيلي، من وجهة النظر السورية، متعلقاً ليس فقط باحتمال وجود عسكري تركي، بل أيضاً بحدود القدرات التي يمكن للجيش السوري الجديد استعادتها.
أنقرة: تعاون شرعي
وتتقاطع الرواية التركية إلى حد كبير مع الموقف السوري، لكنها تذهب أبعد في رفض الأساس السياسي للتبرير الإسرائيلي.
فقد أدانت وزارة الخارجية التركية قصف أبو الظهور وعدّته انتهاكاً لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، متهمة إسرائيل باستهداف البنية التحتية والقدرات السورية والإضرار باستقرار البلاد.
ورفضت الرئاسة التركية لاحقاً رواية مكتب نتنياهو بشأن انتشار تركي مخطط له في أبو الظهور، واعتبرت أن الحديث عن «التهديد التركي» يُستخدم لتبرير الغارات الإسرائيلية. وأكدت أن تعاون أنقرة مع دمشق يجري بصورة مشروعة وبالتنسيق مع الحكومة السورية.
أما وزارة الدفاع التركية فنفت وجود وفد عسكري تركي في أبو الظهور قبيل الهجوم أو أثناءه، من دون نفي التعاون أو الزيارات السابقة، وأكدت استمرار العمل مع سوريا في مجالات التدريب وتبادل الخبرات ودعم تطوير القدرات والبنية العسكرية.
والجمعة انضمت تركيا إلى بيان مشترك لوزراء خارجية 12 دولة عربية وإسلامية، بينها السعودية وقطر والأردن، أدان الغارة، ما وسع الاعتراض على العملية خارج إطار السجال التركي الإسرائيلي.
ما قبل الغارة
وكان ملف التعاون العسكري السوري ـ التركي مطروحاً قبل القصف بأيام. ففي 11 آب/أغسطس تحدثت هيئة البث الإسرائيلية «كان» عن مخاوف أمنية إسرائيلية من تسارع إعادة بناء سلاح الجو السوري، فيما أجرى رئيس الموساد رومان غوفمان في 14 آب/أغسطس اتصالاً بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني.
ونقلت رويترز عن مصادر مطلعة أن المحادثة تناولت الوجود العسكري التركي، وبيع الأسلحة للجيش السوري، وتزويده بالطائرات المسيّرة وأشكال الدعم العسكري الأخرى. وفي 18 آب/أغسطس قصفت إسرائيل أبو الظهور، ثم أعلنت مسؤوليتها عن العملية وقالت إنها استهدفت منع انتشار تركي كان سيخرق «الوضع القائم».
القنيطرة في المعادلة
في جنوب سوريا، جاءت التطورات بالتزامن مع أبو الظهور لتضيف بعداً آخر إلى الخلاف.
ويوم الأربعاء، أي بعد يوم من الغارة على أبو الظهور، توغلت قوة إسرائيلية تضم أكثر من مئة عنصر ونحو 15 آلية عسكرية، وفق المصادر السورية، في بلدة جباتا الخشب بريف القنيطرة الشمالي، ونفذت عمليات مداهمة واعتقلت شخصين قبل الانسحاب.
ولم تكن العملية منفردة، إذ شهدت القنيطرة وريف درعا خلال الفترة الأخيرة سلسلة مداهمات وحواجز مؤقتة واعتقالات وتحركات إسرائيلية داخل قرى وبلدات المنطقة. وفي التوقيت نفسه، أجرى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير جولة في جنوب سوريا برفقة قيادات المنطقة الشمالية والفرقة 210، ووصف الانتشار الإسرائيلي بأنه يشكل «مساحة دفاع متقدمة»، مؤكداً أن الجيش لن يسمح بتمركز قوات أو قدرات يعتبرها تهديداً قرب الجولان المحتل.
ويعطي استخدام زامير تعبير «مساحة دفاع متقدمة» دلالة تتجاوز الانتشار المؤقت، إذ يقدم المواقع الإسرائيلية داخل الجنوب السوري باعتبارها جزءاً من منظومة دفاعية تسبق خط الحدود نفسه. ويتعارض ذلك مع موقف دمشق التي تتمسك باتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وترفض تحويل الانتشار الإسرائيلي الذي أعقب سقوط النظام إلى واقع أمني دائم.
وتعتبر دمشق هذا الوجود خرقاً لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وتطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع التي دخلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد والعودة إلى ترتيبات الاتفاق، مؤكدة أن الإجراءات العسكرية الإسرائيلية لا تنشئ واقعاً قانونياً جديداً داخل الأراضي السورية.
وهنا يبرز التناقض في مفهوم «التجميد» الذي قدمه ليتر. فوفق التفسير الإسرائيلي، يفترض ألا تتقدم تركيا عسكرياً في سوريا، مقابل عدم توسيع إسرائيل مواقعها وعدم إجبارها على الانسحاب من المواقع القائمة. بينما ترفض دمشق من الأساس التعامل مع الانتشار الإسرائيلي المستحدث بوصفه واقعاً مشروعاً يمكن تثبيته ضمن مقايضة تتعلق بالدور التركي.
خلاف مع واشنطن
وأظهر القصف أيضاً تبايناً بين واشنطن وتل أبيب. فقد وصف المبعوث الأمريكي توم باراك الغارة بأنها «تصعيد غير ضروري»، وقال إن إسرائيل تحركت على أساس تقدير، «سواء كان دقيقاً أم خاطئاً»، بأن تركيا ستزيد وجودها في أبو الظهور.
وكشف أن أنقرة لم تتلقَّ تحذيراً مسبقاً، وأن رصدها الطائرات الإسرائيلية المتجهة شمالاً كان يمكن أن يقود إلى استعداد لرد عسكري لولا ضبط النفس. وتعمل واشنطن منذ ذلك الحين على تطوير آلية أكثر فاعلية لمنع الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسوريا.
لكن الخلاف تجاوز الجانب التقني المتعلق بالتحذير المسبق، ليطال حدود إعادة بناء الجيش السوري وطبيعة التعاون العسكري مع تركيا ومستقبل الوجود الإسرائيلي في الجنوب.
وتتمسك الإدارة السورية بحقها في إعادة بناء الجيش ومؤسسات الدولة وترفض أن تكون استعادة قدراتها العسكرية خاضعة لموافقة إسرائيلية مسبقة، فيما تؤكد تركيا استمرار تعاونها العسكري مع الحكومة السورية وترفض إخضاعه لـ«خطوط حمراء» تفرضها تل أبيب.
وتضيف القنيطرة بعداً أكثر حساسية إلى هذا الخلاف؛ إذ تطالب إسرائيل بالحد من أي تمدد عسكري تركي في الشمال، بينما تتمسك بمواقع عسكرية داخل الأراضي السورية جنوباً وتقدمها باعتبارها جزءاً من منظومة «دفاع متقدم
وهكذا تبدو أي مفاوضات أمنية مقبلة أمام معادلة تتجاوز منع الاحتكاك العسكري إلى إعادة تعريف قواعد النظام الأمني في سوريا الجديدة، بين مطلب دمشق باستعادة سيادتها وبناء مؤسساتها العسكرية، وتمسك أنقرة باستمرار تعاونها مع الحكومة السورية، وسعي إسرائيل إلى فرض قيود على بعض أشكال القوة والانتشار داخل البلاد. ويجعل هذا التباين من أبو الظهور والقنيطرة ملفين مترابطين في صراع أوسع على حدود النفوذ العسكري وشكل التوازن الأمني الذي سيتبلور في سوريا خلال المرحلة المقبلة.