تغيير حجم الخط     

لوفيغارو: حرب ترامب ضد إيران تكرس التراجع الإستراتيجي لأمريكا في الشرق الأوسط

مشاركة » الاثنين أغسطس 31, 2026 7:21 am

6.jpg
 
باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة “لوفيغارو”الفرنسية، إن الحرب التي يخوضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران، وبعد ستة أشهر على اندلاعها، تحولت إلى “تعادل محرج” بالنسبة إلى الولايات المتحدة، بعدما أضعفت مكانتها وأعطت دفعة جديدة لطهران التي تتحدى واشنطن منذ 47 عاماً.

أضافت الصحيفة أن الحملة العسكرية التي بدأت بهجوم خاطف تحولت إلى حرب شبه مفتوحة أعادت تشكيل الشرق الأوسط بصورة غير متوقعة. فالصراع الذي انطلق بسبب البرنامج النووي الإيراني انتقل إلى مواجهة أوسع حول السيطرة على مضيق هرمز، في ظل وقف إطلاق نار هش ومفاوضات متعثرة.

الحملة العسكرية التي بدأت بهجوم خاطف تحولت إلى حرب شبه مفتوحة أعادت تشكيل الشرق الأوسط بصورة غير متوقعة

مضيق هرمز في قلب المواجهة

أوضحت “لوفيغارو” أن مضيق هرمز أصبح القضية الإستراتيجية الأبرز. فإيران تسعى إلى تكريس سيطرتها الفعلية على الممر المائي، بينما تحاول الولايات المتحدة مواجهة ما تصفه بالابتزاز الاقتصادي الإيراني من خلال حصار بحري وعقوبات جديدة.

فرغم تأكيد دونالد ترامب أن المضيق مفتوح وأن ملايين براميل النفط تمر عبره يومياً، فإن حركة الملاحة ما تزال أقل من نصف مستواها قبل الحرب، فيما اضطرت بعض ناقلات النفط إلى نقل حمولاتها إلى سفن أخرى في عرض البحر.

تحولت الحرب بذلك إلى مواجهة بحرية واقتصادية طويلة، في وقت يخشى ترامب من أن يؤدي اضطراب إمدادات النفط إلى أزمة اقتصادية وركود عالمي.

مضت “لوفيغارو” قائلة إن ترامب يواجه صعوبة في تقديم نتيجة الحرب باعتبارها الانتصار الكبير الذي وعد به، حيث إن الهجوم لم يضع حدا للبرنامج النووي الإيراني، ولا للترسانة البالستية من الصواريخ أو لشبكة حلفاء طهران الإقليميين.

بل إن الصراع منح النظام الإيراني، في المقابل، فرصة لإعادة تثبيت شرعيته الداخلية، ولم يتسبب مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في انهيار النظام، بل استمرت مؤسساته، وانتقلت السلطة الفعلية بصورة أكبر إلى الحرس الثوري.

ورأت الصحيفة الفرنسية أن بقاء إيران في مواجهة الولايات المتحدة يمثل انتصاراً رمزياً لها، لا سيما بعد الانتكاسات التي تعرضت لها خلال السنوات الأخيرة، ومنها سقوط بشار الأسد في سوريا، والضربات الإسرائيلية ضد حزب الله وحماس.
تفوق عسكري بلا إستراتيجية

تحدّثت “لوفيغارو” عن التفوق العملياتي الأمريكي والإسرائيلي في بداية الحرب، مشيرة إلى أنه تم تدمير أكثر من ألف هدف خلال الساعات الأولى، اعتماداً على معلومات استخباراتية دقيقة واستخدام واسع للذكاء الاصطناعي. لكن هذا التفوق التكتيكي أخفى غياباً واضحاً لإستراتيجية سياسية وعسكرية طويلة الأمد، تقول الصحيفة الفرنسية.

فترامب، الذي يعتمد كثيراً على الحدس والضغط والتهديد، راهن على أن الضربة العسكرية ستؤدي سريعاً إلى انهيار النظام الإيراني أو إجباره على الاستسلام. لكنه صمد واحتفظ بجزء كبير من ترسانته الصاروخية. كما استخدم الطائرات المسيرة بكثافة لإغراق أنظمة الدفاع الأمريكية بأسلحة منخفضة التكلفة مقابل صواريخ اعتراض باهظة الثمن.

أصبحت دول الخليج في الخطوط الأمامية للصراع، بعدما تعرضت منشآت النفط والغاز والمطارات ومحطات تحلية المياه لهجمات إيرانية، تشير “لوفيغارو”.

الحرب أضعفت الوجود الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، بعدما أصبحت بعض القواعد والقوات الأمريكية أكثر عرضة للهجمات

كما أدى استهداف القواعد الأمريكية في الخليج إلى صعوبات لوجستية واستنزاف للقدرات العسكرية الأمريكية، ولا سيما الصواريخ الدقيقة والاعتراضية. وقد استخدمت الولايات المتحدة كميات كبيرة من صواريخها الهجومية، بالإضافة إلى نسبة كبيرة من صواريخ “باتريوت” و“ثاد” المخصصة للدفاع الجوي ضد الهجمات الإيرانية، الأمر الذي كشف محدودية قدرة واشنطن على خوض حرب عالية الكثافة لفترة طويلة، تضيف “لوفيغارو”.
تراجع الوجود الأمريكي

ورأت الصحيفة الفرنسية أن الحرب أضعفت الوجود الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، بعدما أصبحت بعض القواعد والقوات الأمريكية أكثر عرضة للهجمات. كما دفعت المخاطر المتزايدة حلفاء واشنطن إلى البحث عن شراكات بديلة وتنويع علاقاتهم الأمنية.

علاوة على ذلك، تعزز أيضاً التعاون بين روسيا والصين وإيران، في وقت تراجعت فيه الثقة بقدرة الولايات المتحدة على توفير الحماية المطلقة لحلفائها. فقد كشفت الحرب عن تنامي التعاون بين إيران وروسيا والصين، مشيرة إلى أن موسكو ساعدت طهران بمعلومات وصور للأقمار الاصطناعية مكنتها من استهداف مواقع أمريكية؛ بينما يُشتبه في أن الصين قدمت لها دعماً عسكرياً، إلى جانب كونها المشتري الرئيسي للنفط الإيراني.

وتقول الصحيفة إن الأزمة امتدت إلى العلاقة مع الحلفاء الأوروبيين والآسيويين، بعدما هاجم ترامب دولا ومنظمات حليفة، ما ساهم في زيادة الانطباع بأن واشنطن تتحرك بصورة منفردة وغير متوقعة.
تآكل المصداقية الأمريكية وحدود أسلوب ترامب

واصلت “لوفيغارو” القول إن الحرب قد تكون لها تداعيات تتجاوز الشرق الأوسط، معتبرة أن استنزاف مخزونات الذخائر الأمريكية قد يحد من قدرة واشنطن على التعامل مع أزمات محتملة في أوروبا أو آسيا. كما أن تكلفة الحرب التي تقدر بعشرات مليارات الدولارات، تأتي في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأمريكي من عجز ودين مرتفعين.

والأهم، بحسب “لوفيغارو”، هو تآكل المصداقية الأمريكية، حيث إن خصوم واشنطن، مثل روسيا والصين، قد يقرأون الحرب باعتبارها دليلا على وجود حدود للقوة العسكرية الأمريكية، ما قد يشجعهم على اختبار هذه الحدود في مناطق أخرى، بما فيها شرق أوروبا وتايوان.

واعتبرت الصحيفة الفرنسية أن الحرب كشفت حدود الأسلوب الذي اتبعه ترامب في السياسة الخارجية خلال ولايته الثانية، والقائم على مزيج من الجرأة والضغط والتهديد والارتجال. ففي بداية الحرب، أعلن الرئيس الأمريكي أن النصر تحقق سريعاً وأن القدرات العسكرية الإيرانية “انتهت”، ثم تحولت الحرب لاحقاً إلى عملية تستمر أسابيع، قبل أن تتكرر تهديداته بالتصعيد ثم الدعوة إلى المفاوضات.

فبعد ستة أشهر من الحرب لم يحقق ترامب الانتصار الحاسم الذي وعد به، بينما خرجت إيران من المواجهة أكثر قدرة على تحدي واشنطن

ورأت “لوفيغارو” أن هذا التذبذب أضعف مصداقية التهديدات الأمريكية، وأقنع الإيرانيين بأن ترامب لا يريد الانجرار إلى حرب طويلة، كما جعل الأسواق تتعامل مع تهديداته بحذر أكبر. ففي شهر أغسطس الجاري، لجأ ترامب إلى إعلان “المهمة مكتملة 2026”، في استعادة لشعار جورج دبليو بوش عام 2003، لكن الواقع على الأرض لم يدعم هذه الرواية، تقول الصحيفة.
نهاية مرحلة تاريخية

اعتبرت “لوفيغارو” أن حرب إيران تمثل بداية مرحلة جديدة من التراجع الأمريكي عن الشرق الأوسط، وهو مسار بدأ منذ عهد باراك أوباما واستمر خلال ولايات دونالد ترامب وجو بايدن. فحرب الخليج الأولى كرست الهيمنة الأمريكية على المنطقة، بينما أدى غزو العراق عام 2003 إلى نتائج عكسية، أبرزها تعزيز نفوذ إيران، تقول الصحيفة، مضيفة أن الحرب الحالية هي تكرار لنمط مشابه: تفوق عسكري هائل يقابله غياب إستراتيجية سياسية واضحة، بما يسمح للخصم بتحويل الصراع إلى مكسب إستراتيجي.

فبعد ستة أشهر من الحرب لم يحقق ترامب الانتصار الحاسم الذي وعد به، بينما خرجت إيران من المواجهة أكثر قدرة على تحدي واشنطن. وقد يكون الصراع علامة على نهاية مرحلة الهيمنة الأمريكية التقليدية في الشرق الأوسط، وعلى انتقال المنطقة نحو نظام أكثر تعددية تتراجع فيه قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها منفردة، تقول الصحيفة الفرنسية.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير