لندن ـ «القدس العربي»: دخل الجدل حول مستقبل الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة، مع انتقال المخاوف بشأن سرعة تطور هذه التكنولوجيا من محيط الباحثين والمتخصصين إلى صلب النقاش السياسي على المستوى الدولي.
فاليوم، بات عدد من قادة صناعة الذكاء الاصطناعي يدقون أكثر فأكثر ناقوس الخطر، مطالبين بإعادة النظر في سرعة السباق نحو بناء أنظمة أكثر قوة. في مقدمة هؤلاء، داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، والذي دعا إلى إبطاء وتيرة تطور قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن سرعة التطور باتت تستوجب وقتاً إضافياً لاختبار النماذج وفهم سلوكها ووضع آليات أكثر صرامة لمراقبتها، ومُقترِحا إخضاع النماذج الأكثر تقدماً لتقييم مستقل، إلى جانب العمل على وضع معايير مشتركة للتعامل مع الأنظمة المستقبلية.
وتكتسب دعوة الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic أهمية خاصة، لكونها صادرة عن شخصية تقع في قلب صناعة الذكاء الاصطناعي، وليست عن منتقد خارجي. والأمر اللافت أن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ OpenAI، أعلن تأييده لموقف أمودي، وكذلك فعل إيلون ماسك، أحد مؤسسي OpenAI وأحد أبرز الأصوات التي حذرت منذ سنوات من المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي. وهي مواقف قوية تأتي في ظل التطور السريع لما يعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي؛ أي الأنظمة التي لا تكتفي بإعطاء المستخدم إجابات، وإنما تستطيع تنفيذ مهام معقدة، والتفاعل مع أنظمة رقمية، وكتابة البرامج، واستخدام أدوات الإنترنت، واتخاذ قرارات متتابعة بصورة أكثر استقلالية.
وحذر الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، من عواقب التطورات الحالية التي قد تقود خلال فترة قصيرة إلى أنظمة تتمتع بقدرات شديدة القوة. كما حذر باحثون ومختصون في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي من سيناريوهات أكثر تشاؤماً، بينها احتمال أن تصبح أنظمة مستقبلية قادرة على السيطرة على أجزاء واسعة من البنية التحتية الرقمية أو التصرف بطرق يصعب توقعها والسيطرة عليها. في هذا الصدد، أثار الباحث إيفان هوبينغر، المتخصص في السلامة داخل Anthropic، جدلاً واسعاً عندما قال إن احتمال أن يؤدي الذكاء الاصطناعي في أسوأ السيناريوهات إلى قتل جميع البشر ليس، في نظره، مجرد خيال، مقدراً احتمالاً يتجاوز 10 في المئة خلال العقد المقبل. فلطالما وُصفت هذه المجموعة من الباحثين باسم «doomers «، أي الذين يتبنون رؤية شديدة التشاؤم لمستقبل الذكاء الاصطناعي ويحذرون من احتمال فقدان البشر السيطرة على أنظمة شديدة الذكاء.
واتضح أن استقالة بعض الباحثين من شركات الذكاء الاصطناعي بسبب مخاوف تتعلق بسرعة التطور وإجراءات السلامة تعكس انقساماً متزايداً حول مدى إمكانية استطاعة آليات الرقابة والسلامة على مواكبة سرعة بناء أنظمة أكثر قدرة واستقلالية. فليس ثمة وجود لإجماع داخل أوساط مهندسي الذكاء الاصطناعي على ضرورة عدم الإسراع في تطويره، إذ ترى مجموعة أخرى من القادة في هذا المجال أن بعض هذه المخاوف يجري تضخيمها. من بين هؤلاء جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة Nvidia، والذي انتقد ما يعتبره تهويلاً للمخاطر، مشيراً إلى أن التخويف قد يتحول أحياناً إلى وسيلة لخلق طلب إضافي على منتجات وخدمات الأمن السيبراني.
«معضلة السجين»
هنا تظهر مفارقة مُلخصها أن الشركات التي تطالب بمزيد من قواعد السلامة هي نفسها التي تستثمر مليارات الدولارات في تطوير الجيل التالي من النماذج. فقد تكون هذه الشركات قلقة فعلاً من المخاطر، لكنها لا تستطيع التوقف منفردة، لأن منافسيها سيواصلون التطوير. وتشبه هذه الحالة ما يعرف في نظرية الألعاب بـ«معضلة السجين»: الجميع يريد التهدئة، لكن لا أحد يريد أن يكون أول من يبطئ.
وقد يكون من مصلحة الجميع إبطاء السباق ووضع قواعد للسلامة، لكن كل طرف يخشى أن يستغل الآخر الفرصة للتقدم عليه. فشركة Anthropic قد تخشى مخاطر نموذج جديد ما، لكنها لا تستطيع التخلي عن تطويره إذا واصلت OpenAI أو Google أو شركات صينية تطوير أنظمتها. والنتيجة هي سباق تتفق أطرافه على أن المخاطر موجودة، لكنها تجد صعوبة في الاتفاق على من يجب أن يضغط على دواسة الفرامل أولاً.
لم يعد القلق بشأن سرعة التطور محصوراً فقط في صفوف الأوساط الأكاديمية أو الجهات المنتقدة للصناعة، ولا معضلة تواجه شركات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل بات يصل إلى الحكومات أيضا. ففي الولايات المتحدة الأمريكية التي تمثل مركزاً رئيسياً للمنافسة في هذا المجال، يتزايد الجدل حول حدود السباق التكنولوجي وضرورة وضع ضوابط أكثر صرامة؛ أما في الصين فيتم التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجالاً رئيسياً للتنافس الاستراتيجي؛ فيما تبحث دول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة عن صيغة توازن بين تعزيز السيادة الرقمية وضمان سلامة استخدام التكنولوجيا. ووسط كل ذلك، تدخل الأمم المتحدة على خط النقاش، للتحذير من مخاطر تصفها بأنها غير مسبوقة.
المنافسة مع الصين
يتعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع المسألة من زاوية مختلفة، إذ يضع المنافسة مع الصين في قلب سياسته تجاه الذكاء الاصطناعي. وصعّد ترامب لهجته مندداً بما اعتبره «مؤامرة خبيثة» تستهدف الذكاء الاصطناعي. وهو يرى أن الدعوات المتزايدة إلى فرض ضوابط على تطويره، وسط تحذيرات من مخاطره المحتملة على البشرية، تصب في مصلحة الصين. وشدد الرئيس الأمريكي على أن الولايات المتحدة لا تستطيع إبطاء السباق في الوقت الذي تواصل فيه بكين تطوير قدراتها، وعلى أن الحفاظ على التفوق الأمريكي في الذكاء الاصطناعي يمثل أولوية استراتيجية واقتصادية.
كما هاجم الرئيس ترامب بشكل مباشر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، مشيرا إلى أن إدارته اتخذت خلال الأشهر الماضية إجراءات ضد شركات الذكاء الاصطناعي عندما اعتبرت أن بعض استخداماتها أو نماذجها تثير مخاطر أمنية.
رغم ذلك، فإن إدارة دونالد ترامب دخلت حديثاً في صدامات مع Anthropic حول استخدام نماذجها من قبل وزارة الدفاع الأمريكية، وضغطت على الشركات لتقديم نماذجها الأكثر تطوراً من أجل فحص المخاطر المحتملة، الأمر الذي يمكن تفسيره بالقول إن دونالد ترامب يواجه معادلة أكثر تعقيداً، تتمثل في حماية التفوق التكنولوجي الأمريكي من جهة، ومحاولة السيطرة على المخاطر التي قد تنتج عن هذه التكنولوجيا من جهة أخرى.
وأصبح الذكاء الاصطناعي موضوعاً انتخابياً في أمريكا قبل أقل من شهرين من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس والمقررة في بداية شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وهو ما يمنحها بعداً سياسياً إضافياً. فالديمقراطيون يرون أن الشركات الخاصة أثبتت أنها غير قادرة على تنظيم نفسها، بينما يحذر الجمهوريون من أن الإفراط في التنظيم قد يقتل التفوق الأمريكي ويمنح الصين فرصة ذهبية. وبذلك أصبحت الصناعة ساحة جديدة للصراع الحزبي الأمريكي.
على الجانب الآخر، تنظر الصين إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره واحداً من أهم ميادين التنافس التكنولوجي العالمي، مع تحذير العديد من مسؤوليها من مغبة استخدام دول أجنبية لهذه التكنولوجيا ضد بكين. واعتبر رئيس جهاز الاستخبارات الصيني، تشن يي شين، أن هذه التكنولوجيا تشكل تهديداً لأمن الحزب الشيوعي، الذي دعاه لتعزيز سيطرته على الذكاء الاصطناعي وفرض رقابة حكومية أكثر صرامة، معتبرا أن القيام بذلك يعد ضرورياً لحماية الاستقرار السياسي الداخلي، والتصدي للهجمات السيبرانية وحملات التضليل الإعلامي المتزايدة التعقيد التي تشنها القوى المعادية للصين، علاوة على المنافسة، لاسيما مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ويرى مراقبون ومتابعون أن موافقة الصين والولايات المتحدة معاً على وقف الذكاء الاصطناعي أو تجميده يمكن أن تفتح المجال لتقليل المخاطر؛ لكن إذا توقف أحد البلدين فقط، فقد يتحول هذا التوقف إلى خسارة استراتيجية له؛ ما يعني أن قضية السلامة تصبح هنا مرتبطة مباشرة بقضية الأمن القومي والتنافس الدولي.
البحث عن طريق ثالثة
ما بين الولايات المتحدة والصين، يتبنى الاتحاد الأوروبي عبر المفوضية الأوروبية جهازه التنفيذي، موقفاً وسطياً يقوم على أن الابتكار والسلامة يجب أن يترافقا. فهو لا يريد إيقاف الابتكار، لكنه يشدد على ضرورة أن تكون الشركات قادرة على إثبات سلامة خدماتها قبل إتاحتها للمواطنين الأوروبيين. وبذلك تحاول أوروبا تقديم نموذج مختلف عن النموذج الأمريكي الأكثر اعتماداً على سرعة الابتكار، وعن النموذج الصيني الأكثر ارتباطاً بأولويات الدولة. لكن هذا النهج يواجه بدوره تحدياً يتمثل في خشية الشركات والمستثمرين الأوروبيين من فقدان القدرة على المنافسة إذا أصبحت قواعد التكتل أكثر صرامة بكثير من القواعد الأمريكية والصينية.
وأعلنت ألمانيا مثلا أن إيقاف التطوير ليس خياراً واقعياً، معتبرة أن تعزيز السيادة الرقمية الأوروبية يتطلب مزيداً من الاستثمار والابتكار. لكنها أقرت في الوقت نفسه بأن ظهور أنظمة قادرة على الخروج من بيئات الاختبار والوصول بشكل مستقل إلى أنظمة أخرى سيكون بمثابة السيناريو الذي يشكل تهديدا جديداً يستدعي استجابة سياسية مختلفة. ودعت برلين إلى تعاون دولي يشمل الولايات المتحدة الأمريكية والصين، مع طرح المسألة في إطار مجموعة السبع. كما رأت إسبانيا أن النقاش حول اتفاق دولي لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي يكتسب زخماً، وشبهت بعض المقترحات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي باتفاقيات عدم الانتشار النووي.
أما المملكة المتحدة، فتسعى إلى موقع بين الابتكار والتنظيم. فقد رحبت الحكومة بانفتاح قادة شركات الذكاء الاصطناعي على المخاطر، لكنها حذرت من بناء السياسات على التكهنات وحدها، مشددة على أن أي إجراءات جديدة يجب أن تستند إلى أدلة واضحة ومخاطر يمكن إثباتها. وفي الوقت نفسه، تقر لندن بأن القوانين الحالية قد لا تبقى كافية إلى الأبد إذا واصلت قدرات الذكاء الاصطناعي التطور بهذه السرعة.
هل يأتي
الزخم من اسكتلندا؟
وفي مؤشر قوي على انتقال قضية الذكاء الاصطناعي من مختبرات التكنولوجيا إلى مستوى الحوار الدولي، يستعد الملك تشارلز الثالث لاستضافة اجتماع في اسكتلندا يضم ممثلين عن عدد من أبرز شركات الذكاء الاصطناعي، من بينها Google DeepMind وOpenAI وNvidia وAnthropic، إلى جانب شخصيات من عالم التكنولوجيا والسياسة.. وتشرف مؤسسة Ditchley Foundation على الحدث، وقد وضعت مسودة مبادئ تتعلق بإيجاد قواعد مشتركة تضمن أن تلتزم أنظمة الذكاء الاصطناعي بالكرامة الإنسانية وأن تساهم في رفاه الإنسان وحماية الكوكب. هذا التحرك له أهمية رمزية وسياسية، لأنه يعكس انتقال النقاش من سؤال كيفية تطوير الذكاء الاصطناعي إلى سؤال أكبر: كيف ينبغي للمجتمع الدولي أن يحكم هذه التكنولوجيا؟
كما أن منظمة الأمم المتحدة دخلت على الخط، من خلال تحذيرات المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من المخاطر المزايدة التي تطرحها أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً. ويعكس هذا الموقف تحول الذكاء الاصطناعي إلى قضية تتجاوز حدود الدول، على غرار التغير المناخي والأمن السيبراني وبعض القضايا المرتبطة بالأسلحة ذات التأثير العالمي. لكن المشكلة الأساسية تبقى في غياب سلطة دولية قادرة على فرض قواعد ملزمة على الشركات والدول التي تقود السباق التكنولوجي.
كل هذه التجاذبات تجعل من القمة الثنائية المقبلة بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ محل ترقب كبير، إذ يرى العديد من المراقبين أنه قد يفتح الباب أمام بحث قضايا التكنولوجيا والرقائق والذكاء الاصطناعي الذي أضحى من الصعب جداً فصله عن الصراع الأوسع حول التكنولوجيا بين القوتين العظميين. ويتساءل كثيرون عن مدى إمكانية اتفاق القوى الكبرى، في مقدمتها بكين وواشنطن، على قواعد مشتركة قبل أن يصبح السباق في مجال الذكاء الاصطناعي أكثر سرعة وتعقيداً.
من واشنطن إلى بكين، مرورا ببروكسل ولندن، تتفق معظم الأطراف على أن الذكاء الاصطناعي يحمل في الوقت نفسه فوائد هائلة ومخاطر حقيقية. غير أن الخلاف بات أكثر من أي وقت مضى يتعلق بوتيرة تطويره. فقادة العديد من شركات الذكاء الاصطناعي يقولون إن التطور أصبح سريعاً إلى درجة تستوجب الحذر، فيما يرى آخرون، في مقدمتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن التباطؤ قد يعني خسارة السباق أمام خصوم الولايات المتحدة في المجال التكنولوجي، أو منافسيها ولاسيما الصين.
وفي انتظار معرفة مدى إمكانية حصول توافق عالمي على قواعد للذكاء الاصطناعي، فإن الثابت، حتى الآن، أن الذكاء الاصطناعي خرج نهائياً من مختبرات الشركات، وأصبح واحداً من أكبر الملفات التي ستحدد شكل الاقتصاد والسياسة والأمن العالمي خلال السنوات المقبلة. فعلاوة على المخاطر الأمنية والقلق المتزايد حيالها، تتزايد أيضاً الأسئلة الاقتصادية الأكثر إلحاحاً، في ظل ضبابية العائد الاقتصادي للشركات العملاقة التي تنفق مبالغ ضخمة على مراكز البيانات والرقائق والباحثين. كما أن المخاوف انعكست على الأسواق، حيث تراجعت أسهم التكنولوجيا مع تصاعد الحديث عن احتمال تباطؤ الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، وتراجعت كذلك شركات مرتبطة بالرقائق والبنية التحتية. وتبرز Nvidia في قلب هذه المنظومة، باعتبارها المزود الرئيسي للرقائق التي تحتاج إليها شركات الذكاء الاصطناعي.