صنعاء ـ «القدس العربي»: منذ تموز/يوليو الماضي، اتخذت التوترات بين جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) والمملكة العربية السعودية منحنىً خطيراً ومتصاعداً. وقد بلغ هذا ذروته في تبادل الهجمات في عمق الأراضي اليمنية والسعودية، استهدفت بنى تحتية اقتصادية حيوية، وهو تطور له تداعيات بعيدة المدى تنذر بمخاطر جسيمة، تتجاوز الاستقرار الإقليمي لتهدد إمدادات الطاقة العالمية.
ويترافق ذلك مع خطاب سياسي متصاعد يُنذر باحتمالية مواجهة واسعة النطاق. من شأن هذا السيناريو أن يُضاعف المخاطر التي تواجه البلدين والمنطقة والعالم، لا سيما مع توسيع نطاق الحرب واحتمال جرّها إلى صراع طويل الأمد ومرهق.
في هذا السياق، يتسم الوضع بتناقض صارخ بين الواقع على الميدان والجهود السياسية المبذولة. ففي الميدان، يبقى الخيار هو التصعيد المستمر؛ إذ يستخدم الحوثيون الضغط العسكري لتحقيق المطالب، وهي إنهاء ما يسمونه «العدوان والحصار على اليمن»، ودفع تعويضات الحرب منذ عام 2015، والتخلي التام عن خصومهم. في المقابل، تبنت الرياض استراتيجية الرد بالمثل، رافضةً المنطق الصادر عن القوة والخضوع لمثل هذا الضغط. هذا التقاطع الحاد قد يتطور في أي لحظة إلى مواجهة أوسع.
على الصعيد السياسي، سعت جهود وساطة إقليمية ودولية مختلفة إلى كسر هذا الجمود، وهي جهود ما تزال مستمرة، إلا أن الفشل حليفها حتى الآن أمام المواقف المتصلبة والراسخة لكلا الجانبين على الأرض. ورغم اعتراف قيادة الحوثيين بوجود جهود وساطة تشارك فيها عدة دول، إلا أن هذه المبادرات والجهود لم تُفضِ إلى أي اتفاق حتى الآن.
مآلات التصعيد
لا يمكن لهذا الجمود السياسي، الذي تشكّل بفعل الصدمات الميدانية، أن يستمر إلى ما لا نهاية. إما أن يؤدي ذلك إلى تسوية قسرية – تمليها موازين القوى الحالية أو تتحقق بفضل وساطة إقليمية قوية ومؤثرة – أو سينزلق إلى انفجار شامل، مدفوعًا بضرورات إقليمية ودولية. نستكشف هذه الاحتمالات فيما يلي:
أولًا، فيما يتعلق بالتسوية القسرية: يتطلب ذلك إظهار مرونة تحت ضغط الرعب المتبادل. قد يدفع تصاعد حدة التصعيد واتساع نطاقه الجغرافي الأطراف إلى فتح مسار حقيقي نحو التسوية عبر قنوات الوساطة القائمة، لا سيما إذا أدركوا أن تكلفة استمرار الصراع أصبحت باهظة وتتجاوز القدرة على التحمل.
لكن السؤال الأساسي هو: كيف ستبدو هذه التسوية؟ ما التنازلات التي سيُطلب من كل طرف تقديمها، وعلى حساب مَن؟ في هذا السيناريو، لن تكون التسوية مجرد هدنة مؤقتة، بل ستشكل نقطة تحول تاريخية في حل الأزمة اليمنية، وستُعيد تشكيل معادلات التصعيد والصراع الإقليمي برمته.
في المقابل، إذا تجاوزت الخسائر الناجمة عن الهجمات المتبادلة «الخطوط الحمراء» واشتدت المواجهات، فقد يختار المجتمع الدولي والإقليمي فرض حل عسكري، من خلال تدخل شامل يجمع بين الدعم الجوي المكثف والتقدم البري لتعزيز القوات الموالية للحكومة المعترف بها دوليًا.
ومع ذلك، فإن هذا التدخل المعقد، على الرغم من اعتماده على قوة نارية متفوقة، سيواجه تحديات وعقبات هيكلية عميقة، ما يؤدي إلى تداعيات كارثية على مستويات عدة:
على المستوى الإنساني وتآكل القاعدة الاجتماعية: سيستلزم هذا النهج حملات جوية واسعة النطاق ومكثفة لتمهيد الطريق للعمليات البرية. وإذا امتدت هذه الضربات إلى المراكز السكانية والمدن، وهو سيناريو مرجح نظرًا لطبيعة الحروب، فإن الخسائر في صفوف المدنيين ستكون كارثية. من شأن هذا الاستهداف أن يغذي رفضًا شعبيًا للقوات المتقدمة وللعملية العسكرية برمتها، وسيجرد القوات المتقدمة من أي دعم وحاضنة اجتماعية. وبالتالي، سيفقد أي تقدم عسكري شرعيته واستدامته، ولا يمكن استبعاد ظهور مقاومة شعبية شرسة مدفوعة بحجم الخسائر والدمار.
على الصعيدين الجغرافي والاجتماعي، ونظرًا لحساسية التدخل في الوعي الثقافي للمجتمع ووعورة التضاريس، فإن أي محاولة لتحقيق نصر بري حاسم، سواء بدعم من قوى خارجية أو تنفيذها مباشرة، ستصطدم حتمًا بالحساسيات الاجتماعية والقبلية المتأصلة التي تُشكّل النفسية اليمنية. إذ أن هناك رفضا فطريا يمنيا تجاه أي تدخل عسكري أجنبي على الأراضي اليمنية.
وتضمن هذه المعارضة عميقة الجذور أن القوات المتقدمة ستفتقر تمامًا إلى قاعدة شعبية، لا سيما وأن الغارات الجوية السابقة ستُخلّف خسائر فادحة في صفوف المدنيين كما سبقت الإشارة، ما يزيد من اتساع هوة العداء والرفض. ويزداد هذا الوضع تعقيدًا بسبب وعورة تضاريس اليمن الاستثنائية، التي تُحوّل العمليات البرية إلى حرب استنزاف مُرهقة، وهو سيناريو قد لا يُسفر عن نتيجة حاسمة.
وبين هذا وذاك فإن تحقيق أي تقدم لن يكون سهل المنال وستكون كلفته باهظة جدًا ونتائجه لن تكون في حساب أي طرف؛ عوضًا عن قدرات جماعة «أنصار الله»، وخبرتها الطويلة في الحرب البرية، فضلًا عن قدرتها على استنهاض الحمية القبلية تجاه التدخل الخارجي، وما ستسفر عنه هجماتها في العمق السعودي، بموازاة الهجمات ضدها في الداخل اليمني.
أما على المستوى الثالث – أي البعد الطائفي والعقائدي- فتكمن هنا الخطورة الأكبر؛ إذ تنطوي هذه المواجهات البرية، التي تغذيها أجندات طائفية أو سياسية، على خطر التحول إلى صراع طائفي محتدم. ويزداد هذا القلق حدةً في ظل وجود وحدات عسكرية ضمن صفوف القوات الحكومية تتألف من أفراد ينتمون إلى التيار السلفي. ومن شأن تطور كهذا أن يحول المعركة إلى حرب طائفية شاملة، ذات عواقب كارثية على النسيج الاجتماعي اليمني بأسره؛ وهو واقع تؤكده مشاهد ظهرت إبان دخول قوات إلى الساحل الغربي، حيث أظهرت مقاطع فيديو قيام تلك القوات بأفعال مروعة، منها دهس أشخاص ادعت أنهم ينتمون إلى الجماعة.
وإذا ما انزلق الصراع نحو مواجهة شاملة من هذا النوع، فلن تقتصر تداعياتها على الساحة المحلية فحسب، بل ستتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد للمنطقة بأكملها. وحينها، ستخرج ممرات الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة عن السيطرة، ما يجعل العالم بأسره عرضة لتبعات هذا الجحيم المستعر. الكثير ربما لا يعرف تعقيدات اليمن التقليدية وتشعبات ثقافة مجتمعه، وما تجرعه من معاناة خلال سنوات الحرب؛ وهذه نقطة محورية تجعل توقع ردود الفعل غير دقيقة لدى الكثير من قراء هذا المشهد.
يجد المواطن اليمني نفسه في قلب هذا اللهيب، محاصراً بين ضغوط المعارك الميدانية وفشل المساعي السياسية. فبعد أكثر من عقد من الحرب – التي استنزفت مقومات الحياة وقضت على القدرة على الصمود- تأتي جولة التصعيد هذه لتغرق البلاد في مأساة إنسانية غير مسبوقة.
وإذا كان بضعة أسابيع من التصعيد المحدود في تعز وعلى طول الساحل قد تسببت بالفعل في نزوح أكثر من 200 ألف شخص، فكيف سيكون الحال إذا ما توسع الصراع ليشمل البلاد بأكملها، وهي التي ترزح أصلاً تحت وطأة أكثر من 5 ملايين نازح منذ عام 2015؟
ماذا بعد؟
إن دراسة هذه السيناريوهات المعقدة – من الاستنزاف المتبادل وعواقب الغارات الجوية والتدخلات البرية إلى الخسائر الإنسانية غير المسبوقة – تُظهر بوضوح أن الخيار العسكري في اليمن مقامرة خاسرة للجميع. إنه مسعى لن يؤدي إلا إلى مزيد من التورط في رمال الجغرافيا المتحركة، مع توسيع نطاق الخطر ليُهدد خطوط إمداد الطاقة العالمية والملاحة الدولية.
أمام هذه الحقائق المُرّة، بات من الضروري على القوى الإقليمية والمجتمع الدولي التخلي عن السعي وراء نصر عسكري حاسم. يجب عليهم أن يُدركوا – قبل فوات الأوان- الخطر الحقيقي الذي يُشكّله خروج الصراع عن السيطرة تمامًا، وبقاء الأزمة اليمنية في درج التجاهل الدولي والتجاذب الإقليمي.
إن إدراك خطورة هذا التدهور مُبكرًا يُلزم العواصم المؤثرة والوسطاء بإعادة النظر سريعًا في نهجهم نحو تسوية سياسية شاملة، على أن يكون مسارًا قادرًا على معالجة التعقيدات القائمة. يجب ألا تكون هذه التسوية استسلامًا لضغوط ساحة المعركة، بل تبادلًا عقلانيًا وشجاعًا للتنازلات المتبادلة. من شأن ذلك أن يحمي الأمن الإقليمي، ويوقف استنزاف الموارد، ويضع حداً لمأساة وطن وشعب مثقل بجراح الحرب لأكثر من عقد من الزمان. في نهاية المطاف، يتطلع الشعب اليمني إلى تسوية تصون سيادة بلاده ووحدتها، تسوية تقود الشعب نحو مستقبل لا يكون فيه عرضة لخطر الانزلاق مجدداً إلى دوامات العنف والتشرذم والفقر. يتطلع اليمنيون إلى تحقيق رؤيتهم في دولة مدنية ديمقراطية حديثة تصون كرامة مواطنيها وتعيد الازدهار الذي فقدته البلاد، بل تُعيد للبلد سعادته المهدرة.
يتطلب ذلك من جميع القوى اليمنيّة – من دون استثناء، وبضغط ودعم من المجتمع الإقليمي والدولي – التوصل إلى اتفاق يعالج الانقسامات ويحقق العدالة الانتقالية التي تجبر المظلوميات، وبما يضمن إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار والرفاه تحت مظلة الوحدة والتنوع والانتخابات، وطي صفحة الحرب نهائيًا، مع كل مَن قادها أو استفاد منها. وفي حال فشلت تلك المساعي؛ فاليمن ذاهب للتمزق، واليمنيون ذاهبون للتشرذم ومزيد من الفقر، وستتجاوز الأزمة اليمنية حينها ما وصلت إليه الأزمتان اللبنانية والصومالية بكثير.
قد يقول أحدهم – وهو محق – إن حل الأزمة اليمنية مرتبط أيضًا بالصراع الإقليمي والدولي وبمشروع الشرق الأوسط الكبير… لكن ترك اليمن لمصيره سيدفع ثمنه المنطقة والعالم بأسره.