بوسطن ـ «القدس العربي»: ابتكر علماء مختصون “كاميرا” بسيطة يُمكنها التنبؤ بمخاطر الوفاة لدى مرضى السرطان، وذلك بواسطة التقاط صورة “سيلفي” واحدة فقط، حيث تعتمد الكاميرا على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي من أجل التنبؤ بما إذا كان المريض مقبل على الموت أم أنه سينجو منه، وهو ما يُمكن أن يساعد الأطباء في تحديد البروتوكول العلاجي له.
كما طور العلماء أداة ثانية بنفس الأسلوب ونفس الفكرة، وتستطيع التنبؤ بالعمر البيولوجي للشخص المريض، وهو ما يُمكن الأطباء من تحديد الأثر الناجم عن المرض على جسم الشخص.
وبحسب المعلومات التي جمعتها “القدس العربي” من مصادر متعددة فإن الأداة التي طورها علماء أمريكيون مؤخراً تعتمد على الذكاء الاصطناعي وقادرة على تحديد المرضى الأكثر عرضة لخطر الوفاة، وذلك بمجرد النظر إلى وجوههم.
وابتكر العلماء الأداة التي يمكنها رصد المرضى الأكثر عرضة لخطر الوفاة، وذلك من خلال تحليل صورة لوجه المريض.
وفي الاختبارات التي أُجريت، توفي أكثر من نصف الأشخاص الذين صُنِّفوا ضمن فئة “الأعلى خطراً” في غضون 90 يوماً. وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة الوفيات في المجموعة المصنفة ضمن فئة “الأقل خطراً” 2 في المئة خلال الفترة الزمنية ذاتها.
ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تساعد الأطباء في تحديد المرضى الذين يتمتعون بلياقة كافية للخضوع لعلاجات السرطان المكثفة، وأولئك الذين قد يحتاجون إلى نهج علاجي أكثر اعتدالاً.
وجاء هذا الابتكار على يد باحثين أمريكيين في مؤسسة “ماس جنرال بريغهام”، و أطلقوا على الأداة المبتكرة اسم “FaceSurvival”. وتستند الأداة إلى أبحاث سابقة تشير إلى أن مرضى السرطان الذين يبدون أكبر سناً من أعمارهم الحقيقية هم أكثر عرضة للوفاة.
لكن بدلاً من تقدير العمر البيولوجي للمريض، تبحث تقنية الذكاء الاصطناعي الجديدة عن مؤشرات دقيقة في ملامح الوجه قد تكشف عن فرص النجاة.
وفي الممارسات الطبية المعتادة، غالباً ما يُصدر الأطباء أحكاماً سريعة حول صحة المريض بمجرد النظر إليه؛ وهو ما يُعرف بـ”التقييم البصري” الذي يساعدهم في تقدير مدى ضعف المريض أو وهنه.
وتقول الدكتورة غريس لي، إحدى المشاركات في إعداد الدراسة وهي خبيرة في جراحة القولون والمستقيم: “يقوم الأطباء بالفعل بتقييم صحة المريض بشكل حدسي بناءً على مظهره”.
وتضيف: “توفر أداتنا وسيلة لتوحيد هذه الممارسة الحدسية وقياسها بدقة، مما قد يسهم في تحسين دقة التنبؤات الطبية ودعم اتخاذ القرارات السريرية”.
ولتطوير هذه التقنية، قام الباحثون بتدريب نظام ذكاء اصطناعي باستخدام أكثر من 40 مليون صورة للوجوه متاحة للجمهور. وبعد ذلك، درّبوا نظام “FaceSurvival” على التنبؤ بمعدلات الوفاة بالاستعانة بصور لأكثر من 34 ألف مريض بالسرطان.
وقد نُشرت هذه النتائج في دورية “ذا لانسيت ديجيتال هيلث”، ومن شأنها أن تُحدث تغييراً جذرياً في كيفية تقييم الأطباء لحالة المرضى قبل البدء بالعلاج.
وقال الباحثون إنه عند اختبار النظام على مجموعة مستقلة ضمت 3820 مريضاً، منح كل مريض درجة خطر تتراوح بين صفر وواحد.
ومن بين 122 مريضاً حصلوا على أعلى درجات الخطر، توفي 64 منهم في غضون ثلاثة أشهر. وقد قورن ذلك بـ20 مريضاً فقط من أصل 975 مريضاً في المجموعة الأقل خطورة.
وبشكل عام، كان احتمال الوفاة لدى الأشخاص في الفئة الأكثر خطورة (الربع الأعلى من حيث المخاطر) أكبر بأكثر من ثلاثة أضعاف مقارنةً بأولئك في الفئة الأقل خطورة، حتى بعد الأخذ في الاعتبار عوامل العمر والجنس ونوع السرطان.
كما تم اختبار هذه النتائج على ما يقرب من 4900 مريض بالسرطان في هولندا.
الى ذلك، طوّر العلماء أيضاً أداة ثانية تُدعى “FAHR-FaceAge”، والتي تُقدّر العمر البيولوجي للشخص بناءً على ملامح وجهه. وعلى عكس العمر الزمني، يعكس العمر البيولوجي مدى تقدم الجسم في العمر.
وفي الدراسة الأخيرة، اختبر الباحثون أداتهم الجديدة لتقدير العمر البيولوجي على أكثر من 38 ألف مريض بالسرطان. وتبين أن الأشخاص الذين بدت وجوههم أكبر سناً بخمس سنوات على الأقل من أعمارهم الحقيقية، كانوا أكثر عرضة لخطر الوفاة بنسبة 21 في المئة.
أما أولئك الذين بدت وجوههم أصغر سناً بخمس سنوات على الأقل، فكان لديهم خطر وفاة أقل بنسبة 17 في المئة.
كما ارتبط التدخين، والإفراط في شرب الكحول، وتعاطي المخدرات بظهور ملامح وجه تبدو أكبر سناً. وكان التدخين هو العامل الأكثر ارتباطاً بذلك؛ إذ بدا المدخنون الحاليون أكبر سناً من الناحية البيولوجية مقارنةً بالمدخنين السابقين أو الأشخاص الذين لم يدخنوا قط.
ويرى الباحثون أن هاتين الأداتين قد تُستخدمان معاً في المستقبل لمساعدة الأطباء على تقييم حالة المرضى بطريقة أسرع وأقل تكلفة.
ومع ذلك، لا تزال هذه التقنية في مرحلتها التجريبية، وتتطلب مزيداً من الدراسات قبل اعتمادها للاستخدام في المستشفيات. كما يبحث العلماء أيضاً فيما إذا كانت الجراحات التجميلية تؤثر على دقة هذه الأداة.
ورغم قدرة الذكاء الاصطناعي على تحديد المرضى الأكثر عرضة لخطر الوفاة، فإنه لم يُعرف بعد ما إذا كان استخدامه لتوجيه مسار العلاج سيؤدي فعلياً إلى تحسين فرص البقاء على قيد الحياة.