الوثيقة | مشاهدة الموضوع - معادلة‭ ‬جديدة‭ ‬لإدارة‭ ‬الصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي؟ حسن نافعة
تغيير حجم الخط     

معادلة‭ ‬جديدة‭ ‬لإدارة‭ ‬الصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي؟ حسن نافعة

مشاركة » الأربعاء سبتمبر 04, 2019 9:25 pm

18.jpg
 
صدق‭ ‬حسن‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬وعده،‭ ‬ورد‭ ‬على‭ ‬الغارة‭ ‬التي‭ ‬شنتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬ضاحية‭ ‬بيروت‭ ‬الجنوبية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الرد‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬التقليدي‭ ‬الذي‭ ‬تحرص‭ ‬فيه‭ ‬أطراف‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬مراعاة‭ ‬التكافؤ‭ ‬في‭ ‬الوسائل‭ ‬المستخدمة‭ ‬والأهداف‭ ‬المبتغاة‭. ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬في‭ ‬وضح‭ ‬النهار‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬جنح‭ ‬الظلام،‭ ‬واستخدمت‭ ‬فيه‭ ‬الصواريخ‭ ‬لضرب‭ ‬مركبة‭ ‬عسكرية،‭ ‬وليس‭ ‬طائرت‭ ‬مسيرة‭ ‬لضرب‭ ‬أهداف‭ ‬مدنية‭. ‬لذا‭ ‬جاء‭ ‬قويا‭ ‬متحديا،‭ ‬وحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬رسائل‭ ‬سياسية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬بالغة‭ ‬الأهمية،‭ ‬حرص‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬عناوينها‭ ‬الصحيحة‭: ‬
*الرسالة‭ ‬الأولى‭: ‬بدت‭ ‬موجهة‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل‭ ‬وحلفائها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم،‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬المقاومة‭ ‬لن‭ ‬تتهاون‭ ‬بعد‭ ‬اليوم‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬اعتداء‭ ‬تقدم‭ ‬عليه‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ولديها‭ ‬من‭ ‬الوسائل‭ ‬ومن‭ ‬إرادة‭ ‬الفعل‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬للردع‭ ‬ولإلحاق‭ ‬الأذى،‭ ‬بكل‭ ‬من‭ ‬يخاطر‭ ‬بارتكاب‭ ‬حماقة،‭ ‬وباتت‭ ‬جاهزة‭ ‬لمواجهة‭ ‬كافة‭ ‬الاحتمالات،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭ ‬إن‭ ‬لزم‭ ‬الأمر‭. ‬لذا‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬أمام‭ ‬حلفاء‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم،‭ ‬سوى‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬كبح‭ ‬نزواتها‭ ‬وإجبارها‭ ‬على‭ ‬النزول‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬الشجرة،‭ ‬إن‭ ‬هم‭ ‬أرادوا‭ ‬حقا‭ ‬أن‭ ‬يسهموا‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين‭. ‬
*الرسالة‭ ‬الثانية‭: ‬بدت‭ ‬موجهة‭ ‬إلى‭ ‬حلفاء‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج،‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬لبنان‭ ‬قدر‭ ‬حرصه‭ ‬على‭ ‬أمنه‭ ‬الشخصي‭. ‬ولأن‭ ‬هدفه‭ ‬الأساسي‭ ‬هو‭ ‬حماية‭ ‬المقاومة‭ ‬أولا‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬التي‭ ‬يصبح‭ ‬أمن‭ ‬لبنان‭ ‬في‭ ‬غيابها‭ ‬مكشوفا‭ ‬تماما‭ ‬ومعرضا‭ ‬لكل‭ ‬أنواع‭ ‬المخاطر،‭ ‬ينبغي‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬أطراف‭ ‬المعادلة‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬اللبناني‭ ‬أن‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬دعم‭ ‬المقاومة‭ ‬والوقوف‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬الخندق‭ ‬نفسه،‭ ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬الوحيد‭ ‬للمحافظة‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬لبنان‭ ‬ككل،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬كل‭ ‬مكون‭ ‬أو‭ ‬فصيل‭ ‬فيه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.‬
يشير‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬سلكته‭ ‬التفاعلات‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬ضربة‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬الأخيرة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬رسائل‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬وصلت‭ ‬بالفعل‭ ‬إلى‭ ‬عناوينها‭ ‬الصحيحة،‭ ‬وجرى‭ ‬استيعابها‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬المخاطبين‭ ‬بها،‭ ‬بدليل‭ ‬حرص‭ ‬الجميع،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬القيادة‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬التي‭ ‬جاء‭ ‬ردها‭ ‬على‭ ‬الضربة‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬محدودا‭ ‬وباهتا‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬العادة،‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬التصعيد،‭ ‬وتحركهم‭ ‬الفوري‭ ‬للحيلولة‭ ‬دون‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬الاشتباكات،‭ ‬وتحولها‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬شاملة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يفسر‭ ‬توقف‭ ‬الاشتباكات‭ ‬تماما،‭ ‬وعلى‭ ‬غير‭ ‬العادة‭ ‬أيضا،‭ ‬بعد‭ ‬ساعات‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬اندلاعها‭. ‬فهل‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬باتت‭ ‬محكومة‭ ‬حقا‭ ‬بمعادلة‭ ‬جديدة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬‮«‬توازن‭ ‬الرعب‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬يؤكد‭ ‬حسن‭ ‬نصر‭ ‬الله؟‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬ستكشف‭ ‬عنه‭ ‬الأيام‭ ‬والأسابيع‭ ‬المقبلة‭.‬
وأيا‭ ‬كان‭ ‬الأمر،‭ ‬فمن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬اللبنانية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية،‭ ‬يعكس‭ ‬عمق‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع‭ ‬العربي‭ ‬الاسرائيلي،‭ ‬فالصراع‭ ‬المحتدم‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭ ‬وفيها‭ ‬يدور‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬حول‭ ‬مشروعين‭:‬
*الأول‭: ‬مشروع‭ ‬استعماري‭ ‬توسعي‭ ‬عنصري،‭ ‬تجسده‭ ‬حركة‭ ‬صهيونية‭ ‬تسعى‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭ ‬كلها،‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬فلسطين‭ ‬وحدها،‭ ‬بالتمكين‭ ‬لدولة‭ ‬يهودية‭ ‬كبرى‭ ‬تمتد‭ ‬من‭ ‬النيل‭ ‬إلى‭ ‬الفرات‭. ‬وقد‭ ‬مرّ‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬بمنعطفات‭ ‬كبرى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تؤول‭ ‬قيادته‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬يختلف‭ ‬كثيرا‭ ‬عن‭ ‬جيل‭ ‬الآباء‭ ‬المؤسسين،‭ ‬يمثله‭ ‬اليوم‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭. ‬ولأنه‭ ‬جيل‭ ‬يتيه‭ ‬زهوا‭ ‬بما‭ ‬حققته‭ ‬الأجيال‭ ‬السابقة‭ ‬من‭ ‬انتصارات،‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬شديد‭ ‬الحرص‭ ‬والتصميم‭ ‬على‭ ‬البناء‭ ‬فوق‭ ‬ما‭ ‬حققته‭ ‬الأجيال‭ ‬السابقة،‭ ‬لتمكين‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬انتصارها‭ ‬النهائي‭ ‬وضمان‭ ‬وصول‭ ‬الدولة‭ ‬اليهودية‭ ‬إلى‭ ‬حدودها‭ ‬‮«‬التوراتية‮»‬‭.‬
*والثاني‭: ‬مشروع‭ ‬دفاعي‭ ‬مقاوم،‭ ‬تجسده‭ ‬حركة‭ ‬عربية‭ ‬إسلامية،‭ ‬تسعى‭ ‬للتصدي‭ ‬لمشروع‭ ‬صهيوني‭ ‬تدرك‭ ‬يقينا‭ ‬أنه‭ ‬بات‭ ‬يمثل‭ ‬عقبة‭ ‬كأداء‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬نهضة‭ ‬وتقدم‭ ‬الأمة‭. ‬وقد‭ ‬مرّ‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬بدوره‭ ‬بمنعطفات‭ ‬كبرى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تؤول‭ ‬قيادته‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الثوار،‭ ‬يختلف‭ ‬كثيرا‭ ‬عن‭ ‬جيل‭ ‬الآباء‭ ‬المؤسسين،‭ ‬يمثله‭ ‬اليوم‭ ‬حسن‭ ‬نصر‭ ‬الله‭. ‬ولأنه‭ ‬جيل‭ ‬يبدو‭ ‬مثقلا‭ ‬بهموم‭ ‬الهزائم‭ ‬التي‭ ‬منيت‭ ‬بها‭ ‬الأجيال‭ ‬السابقة،‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬حكمت‭ ‬وتحكمت‭ ‬في‭ ‬مصائر‭ ‬دول‭ ‬الطوق‭ ‬المحيط‭ ‬بإسرائيل،‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬يسعى‭ ‬جاهدا‭ ‬لتجنب‭ ‬الأخطاء‭ ‬السابقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحاول‭ ‬تحقيقه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إدارة‭ ‬مختلفة‭ ‬للصراع،‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬حرب‭ ‬العصابات‭ ‬والمقاومة‭ ‬المسلحة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭.‬
وسوف‭ ‬نحاول‭ ‬في‭ ‬السطور‭ ‬التالية‭ ‬بناء‭ ‬صورة‭ ‬للصراع‭ ‬الجاري‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬لرجلين،‭ ‬أحدهما‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬قيادة‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭ ‬وهو‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬والآخر‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬قيادة‭ ‬حركة‭ ‬المقاومة‭ ‬وهو‭ ‬سماحة‭ ‬السيد‭ ‬حسن‭ ‬نصر‭ ‬الله‭.‬
لم‭ ‬يكن‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬قد‭ ‬ظهر‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬حيز‭ ‬الوجود‭ ‬حين‭ ‬أعلن‭ ‬بن‭ ‬غوريون‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل‭ ‬عام‭ ‬1948،‭ ‬بعد‭ ‬مسيرة‭ ‬طويلة‭ ‬للحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬بدأها‭ ‬ثيودور‭ ‬هرتزل‭ ‬عام‭ ‬1898‭. ‬فقد‭ ‬ولد‭ ‬في‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬عام‭ ‬1949،‭ ‬لأب‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬بولندية‭ ‬وأم‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬أمريكية،‭ ‬أي‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬التي‭ ‬ترعرع‭ ‬في‭ ‬حضنها‭ ‬وشهد‭ ‬انتصاراتها،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬حروبها،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يخدم‭ ‬في‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬إلا‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬67-72،‭ ‬أي‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬حرب‭ ‬67‭ ‬وقبل‭ ‬اندلاع‭ ‬حرب‭ ‬73،‭ ‬توجه‭ ‬بعدها‭ ‬لدراسة‭ ‬الهندسة‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬ماساشوستس‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬MIT،‭ ‬وهناك‭ ‬حصل‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬البكالوريوس‭ ‬في‭ ‬الهندسة‭ ‬المعمارية‭ ‬ثم‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬الماجستير‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأعمال،‭ ‬وألحق‭ ‬بقطاع‭ ‬الصناعة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يظهر‭ ‬اهتمامه‭ ‬بالعمل‭ ‬السياسي‭ ‬المباشر‭. ‬وليس‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬المبالغة‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬نتنياهو‭ ‬هو‭ ‬الابن‭ ‬المدلل‭ ‬للدولة‭ ‬الاسرائيلية‭ ‬والممثل‭ ‬الحقيقي‭ ‬للجيل‭ ‬الذي‭ ‬قادها‭ ‬تدريجيا‭ ‬نحو‭ ‬التطرف‭ ‬يمينا‭. ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬عمر‭ ‬نتنياهو‭ ‬قد‭ ‬تجاوز‭ ‬35‭ ‬عاما‭ ‬حين‭ ‬عين‭ ‬مندوبا‭ ‬دائما‭ ‬لإسرائيل‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ (‬84-‭ ‬88‭)‬،‭ ‬وانتخب‭ ‬عام‭ ‬1988‭ ‬نائبا‭ ‬في‭ ‬الكنيست،‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬سن‭ ‬الأربعين،‭ ‬ثم‭ ‬تولى‭ ‬رئاسة‭ ‬حزب‭ ‬الليكود‭ ‬عام‭ ‬1993،‭ ‬فانفتح‭ ‬أمامه‭ ‬الطريق‭ ‬ليصبح‭ ‬رئيسا‭ ‬للوزراء‭ ‬عام‭ ‬1996،‭ ‬مسجلا‭ ‬بذلك‭ ‬لقب‭ ‬أصغر‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬إسرائيل‭. ‬ورغم‭ ‬خسارته‭ ‬للمنصب‭ ‬عام‭ ‬1999،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬راح‭ ‬يشغل‭ ‬مناصب‭ ‬وزارية‭ ‬متعددة‭ ‬طوال‭ ‬السنوات‭ ‬العشر‭ ‬التالية،‭ ‬منها‭ ‬منصب‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬شارون،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استطاع‭ ‬العودة‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬عام‭ ‬2009‭ ‬وبقي‭ ‬فيه‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬مسجلا‭ ‬بذلك‭ ‬رقم‭ ‬قياسيا‭ ‬جديدا‭ ‬تفوق‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬بن‭ ‬غوريون‭ ‬نفسه‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬لنتنياهو‭ ‬أن‭ ‬يفاخر‭ ‬بشيء‭ ‬فليس‭ ‬تاريخه‭ ‬السياسي‭ ‬البهلواني‭ ‬سوى‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تخريب‭ ‬‮«‬عملية‭ ‬السلام‮»‬،‭ ‬ونجاحه‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬67‭. ‬ورغم‭ ‬أنه‭ ‬يواجه‭ ‬اليوم‭ ‬اتهامات‭ ‬بالفساد‭ ‬قد‭ ‬تقوده‭ ‬إلى‭ ‬السجن،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬الفوز‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التي‭ ‬تعقد‭ ‬بعد‭ ‬حوالي‭ ‬أسبوعين،‭ ‬والتي‭ ‬يأمل‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تنقذه‭ ‬من‭ ‬السجن،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تتيح‭ ‬له‭ ‬فسحة‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬تسمح‭ ‬له‭ ‬بتحقيق‭ ‬حلمه‭ ‬الصهيوني‭ ‬الكبير،‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬ملكا‭ ‬متوجا‭ ‬لإسرائيل‭ ‬التوراتية‭ ‬بعد‭ ‬إقامة‭ ‬الهيكل‭ ‬على‭ ‬أنقاض‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭.‬
في‭ ‬المقابل‭ ‬تتجلى‭ ‬صورة‭ ‬حسن‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬كنقيض‭ ‬تام‭ ‬لصورة‭ ‬نتنياهو‭. ‬فقد‭ ‬ولد‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬عام‭ ‬1960،‭ ‬أي‭ ‬بعد‭ ‬اثنا‭ ‬عشر‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬العربية‭ ‬الاسرائلية‭ ‬الأولى،‭ ‬التي‭ ‬شارك‭ ‬فيها‭ ‬لبنان‭ ‬بشكل‭ ‬رمزي‭ ‬وانتهت‭ ‬بنكسة‭ ‬عربية‭ ‬شاملة‭ ‬واحتلال‭ ‬إسرائيل‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬أرباع‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية‭. ‬وترعرع‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬مسقط‭ ‬رأسه‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬اللبناني،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬حضن‭ ‬الدولة‭ ‬ورعايتها،‭ ‬حيث‭ ‬ذاق‭ ‬شظف‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬طفولته،‭ ‬وتجرع‭ ‬مرارة‭ ‬الاحتلال‭ ‬الاسرائيلي‭ ‬للجنوب‭ ‬في‭ ‬شبابه،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬شق‭ ‬طريقه‭ ‬نحو‭ ‬الموقع‭ ‬الذي‭ ‬هيأته‭ ‬له‭ ‬العناية‭ ‬الإلهية،‭ ‬ليقود‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬محور‭ ‬المقاومة،‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬موقع‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬لحزب‭ ‬الله‭. ‬كان‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬قد‭ ‬أتم‭ ‬تعليمه‭ ‬الابتدائي‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬اللبناني‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬معيشية‭ ‬صعبة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتوجه‭ ‬إلى‭ ‬بيروت‭ ‬لاستكمال‭ ‬دراسته‭ ‬الثانوية،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬اضطر‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬الجنوب‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬داهمته‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭. ‬وحين‭ ‬قرر‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬النجف‭ ‬لتلقي‭ ‬العلوم‭ ‬الدينية،‭ ‬التقى‭ ‬هناك‭ ‬بعباس‭ ‬الموسوي،‭ ‬الذي‭ ‬لعب‭ ‬الدور‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬حياته‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬داهم‭ ‬البوليس‭ ‬العراقي‭ ‬محل‭ ‬إقامة‭ ‬الموسوي‭ ‬للقبض‭ ‬عليه‭ ‬ولم‭ ‬يجده،‭ ‬أدرك‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬أيامه‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬باتت‭ ‬معدودة،‭ ‬وقرر‭ ‬العودة‭ ‬للجنوب،‭ ‬وهناك‭ ‬داهمه‭ ‬الاجتياح‭ ‬الاسرائيلي‭ ‬الذي‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬بيروت‭ ‬العاصمة‭. ‬تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬نشاطه‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬أمل،‭ ‬وأصبح‭ ‬مندوبها‭ ‬في‭ ‬البقاع‭ ‬وعمره‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬20‭ ‬عاما‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الاجتياح‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬للبنان،‭ ‬وما‭ ‬أدى‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬تشكيل‭ ‬‮«‬جبهة‭ ‬الإنقاذ‭ ‬الوطني‮»‬،‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬شق‭ ‬الحركة‭ ‬إلى‭ ‬تيارين،‭ ‬أحدهما‭ ‬معتدل،‭ ‬يطالب‭ ‬بالانضمام‭ ‬للجبهة،‭ ‬والآخر‭ ‬أكثر‭ ‬راديكالية،‭ ‬يرفض‭ ‬الانضمام‭ ‬لها‭ ‬بسبب‭ ‬وجود‭ ‬بشير‭ ‬الجميل‭ ‬فيها،‭ ‬فانحاز‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬إلى‭ ‬التيار‭ ‬الراديكالي‭ ‬الذي‭ ‬شكل‭ ‬لاحقا‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬لحزب‭ ‬الله،‭ ‬ثم‭ ‬سعى‭ ‬لاحقا‭ ‬لمواصلة‭ ‬دراساته‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬قم،‭ ‬لكنه‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬قطعها‭ ‬وعاد‭ ‬إلى‭ ‬الجنوب‭ ‬اللبناني‭ ‬عقب‭ ‬اندلاع‭ ‬اشتباكات‭ ‬مسلحة‭ ‬بين‭ ‬حركة‭ ‬أمل‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭. ‬وهكذا‭ ‬وجد‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬معمعة‭ ‬عمل‭ ‬يبدو‭ ‬حزبيا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الشكل،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬مكرس‭ ‬لمقاومة‭ ‬الاحتلال‭ ‬الاسرائيلي‭ ‬للجنوب‭ ‬اللبناني،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬إجبار‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬على‭ ‬الرحيل‭. ‬وبعد‭ ‬انتخاب‭ ‬عباس‭ ‬الموسوي‭ ‬أمينا‭ ‬عاما‭ ‬لحزب‭ ‬الله،‭ ‬اختاره‭ ‬نائبا‭ ‬له،‭ ‬فانفتح‭ ‬الطريق‭ ‬أمامه‭ ‬لقيادة‭ ‬الحزب‭ ‬عقب‭ ‬اغتيال‭ ‬الموسوي‭ ‬عام‭ ‬1992‭. ‬وقد‭ ‬تمكن‭ ‬حزب‭ ‬الله،‭ ‬تحت‭ ‬قيادة‭ ‬نصر‭ ‬الله،‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬أهم‭ ‬الانتصارات‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬كله‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬2000‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬تحرير‭ ‬جنوب‭ ‬لبنان‭ ‬من‭ ‬الاحتلال‭ ‬الاسرائيلي‭ ‬وأعوانه،‭ ‬بدون‭ ‬قيد‭ ‬أو‭ ‬شرط،‭ ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2006‭ ‬خاض‭ ‬حربا‭ ‬شاملة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ثم‭ ‬راح‭ ‬الحزب‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬يواصل‭ ‬بناء‭ ‬قدراته‭ ‬العسكرية‭ ‬رغم‭ ‬القصف‭ ‬والحصار‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المتواصل،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصل‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬‮«‬توازن‭ ‬الرعب‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يتحدث‭ ‬عنها‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬واستند‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬كلمته‭ ‬الأخيرة‭ ‬ليعلن‭ ‬سقوط‭ ‬‮«‬الخطوط‭ ‬الاسرائيلية‭ ‬الحمر‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعد‭ ‬دليلا‭ ‬مؤكدا‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬التغير‭ ‬الذي‭ ‬طرأ‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬العدو‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬يصعب‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬قادة‭ ‬النظم‭ ‬العربية‭ ‬الحاكمة‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬لإسرائيل‭ (‬لا‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يمسها‭ ‬بسوء‭.‬
توحي‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬هذين‭ ‬النموذجين‭ ‬بأن‭ ‬صورة‭ ‬نتنياهو‭ ‬تبدو‭ ‬أقرب‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬إلى‭ ‬بهلوان‭ ‬سياسي‭ ‬يجيد‭ ‬اللعب‭ ‬على‭ ‬حبال‭ ‬أمجاد‭ ‬قديمة‭ ‬لم‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬صنعها،‭ ‬بينما‭ ‬تبدو‭ ‬صورة‭ ‬حسن‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬أقرب‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬الثائر،‭ ‬الذي‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأنقاض‭ ‬رافعا‭ ‬سيفه‭ ‬ومصرا‭ ‬على‭ ‬رفض‭ ‬الهزيمة‭. ‬فهل‭ ‬أبدو‭ ‬متفائلا‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬ينبغي‭ ‬بمصير‭ ‬الصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي؟

*كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬مصري
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات