الوثيقة | مشاهدة الموضوع - “المتنطّعون” أخطر عملاء إسرائيل : عبد الحميد قنديل
تغيير حجم الخط     

“المتنطّعون” أخطر عملاء إسرائيل : عبد الحميد قنديل

مشاركة » السبت سبتمبر 07, 2019 5:25 pm

لم تكن مفاجئة ولا جديدة تماما، نقصد تلك التفجيرات الانتحارية التي توالت في قطاع غزة، واستهدفت رجال حماس عند حواجز شرطية، وراح ضحيتها شهداء وجرحى، ولا تزال التحقيقات المفصلة جارية فيها حتى وقت كتابة هذه السطور، وإن لم ينتظر إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وكشف في خطاب مطول عن طبيعة المتورطين في الجرائم الشنيعة، وأشار إلى عمالتهم وخدمتهم لإسرائيل وأجهزة مخابراتها، ووصفهم بأنهم جماعة من المتشددين الغلاة المتنطعين.

وبالطبع، ليست هذه هي المرة الأولى، التي تعاني فيها حماس من جماعات متشددة، تلبس لبوس الدين، وتزيد من ثقل اللحى، وتزايد على حماس ومقاومة كتائب عز الدين القسام، فقبل سنوات طويلة مضت، اضطرت حركة حماس لهدم مسجد “ابن تيمية” في غزة، الذي أعلنت منه ما سميت وقتها بالإمارة الإسلامية، عبر تنظيمات حملت عناوين مختلفة، وإن كانت كلها ممن يسمون بالسلفيين الجهاديين، على طريقة تنظيمات “القاعدة” و”داعش” وأخواتها، التي زاد انتشارها وخطرها باطراد في السنوات الأخيرة، وشكلت “الخطر الأكبر” على المقاومة والوحدة الوطنية الفلسطينية، كما يؤكد إسماعيل هنية، مضيفا تصميم المقاومة على تصفية جماعات المتنطعين .

والمتنطعون أخطر من المطبعين، فالتطبيع أمره مفضوح ومكشوف، وموضع إدانة تلقائية بالفطرة العربية السوية، وسواء كان مصدره نظم عقدت معاهدات صلح وعار مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، أو نظم أخرى، التحقت سرا وعلنا بقطار التطبيع، ووصل بعضها إلى حد التحالف جهير الصوت مع العدو الإسرائيلي، وبدعوى ضرورات المواجهة مع تغول النفوذ الإيراني، وهؤلاء مع أمثالهم في الدرك الأسفل من جحيم المهانة، ربما في المكان نفسه، الذي يستحقه عملاء آخرون لإسرائيل، يقدمون أنفسهم في صورة العدو الانتحارى للنظم العميلة، ولا تكاد تخلو نشرة أخبار من عملياتهم التفجيرية الإرهابية، يحرقون الأخضر واليابس، ويوقعون من الأذى بالعرب مئات أضعاف ما فعلته إسرائيل، ويبيعون بضاعة الخلافة الإسلامية المنتظرة، التي لا تقوم عندهم بغير الذبح والسبىي، بينما هم أخطر أعداء الإسلام، وأخطر عملاء إسرائيل، التي لم ينفذ المتنطعون ضدها عملية مسلحة واحدة تخزى العين. وربما لا تكون من حاجة لبيان موارد التنطع والمتنطعين، فالتنطع في الفقه الإسلامي له معنى لا يخفى، هو التشدد في غير موضع، وعلى غير مقتضى صحيح، وهو داء عرفه التاريخ الإسلامي منذ قتل المتنطعين الخوارج للإمام علي ابن أبى طالب، وما تلاه من تأكيد سيطرة معاوية وأهله على مقاليد الخلافة، وتحويلها إلى ملك وراثي عضوض، توالت عليه العائلات والأجناس بقوة الغصب غالبا، وعلى مرّ عصور من ازدهار وانحسار، جعلت المسلمين في النهاية حطاما، أطاحت به موجات الغزو الأوروبي الزاحف، بقوة العلم والتنظيم والسلاح الحديث، وبشهوة اغتصاب الثروات، وتزوير الهويات، وإلى أن كان الهجين البائس الذي انتهينا إليه، رغم نوبات إفاقة والتفات لسباق العصر، ذوت سريعا، ووقفت ضدها تيارات الانغلاق واليمين الديني، التي تنوعت صورها، وكان أخطرها تيار التنطع، الذي يروق للبعض تسميته بتيار السلفية الجهادية، وهو ليس جهاديا بأي معنى صحيح، إذ لم يلحظ أحد أن له جهادا ضد أعداء الأمة الظاهرين المجمع عليهم شعبيا، وأولهم كيان الاغتصاب الإسرائيلي، ثم أنه ليس سلفيا بالمعنى المقبول، اللهم إلا إذا كان “التسلف” له مضمون معاكس، هو الاحتذاء بالسلف الطالح لا السلف الصالح، ويكفي أن تنظر حولك، وتلاحظ سيولة وسهولة انتقال أحدهم من جماعة يمين ديني إلى أخرى أكثر تشددا، على طريقة أبواب الفنادق الدوارة، وكلهم يزعمون أنهم المسلمون لا سواهم، إلا من عصم ربك، وظل ثابتا على جماعته التي هي دينه، فالدعشنة، وهي التعبير المرادف عندنا للغلو في التنطع الديني، تجتاح قواعد الجماعات الدينية، التي تقول ليلا ونهارا، أنها مع الثورات السلمية ومع الديمقراطية والحرية والمواطنة المتساوية، إلى غيرها من استعارات السياق المعاصر، وقد لا نحتاج إلى أدلة متوافرة بالكوم، فالدعشنة في الوسط الفلسطيني الغزاوي مثلا، جلبت غالب مواردها البشرية من قواعد حركات مقاومة إسلامية حقيقية، عبر إغراء الشباب المتدين بما يبدو أكثر تشددا، وسوقهم خطوة خطوة إلى الدرك الأسفل من بئر الخيانة والعمالة موضوعيا، وإغوائهم بطاعة دينية مزيفة، وبتقرب مزور إلى الله، يدفعهم لقتل المقاومين لإسرائيل، وليس قتل الجنود الإسرائيليين، وعلى زعم أولوية قتال العدو القريب، بينما تبقى إسرائيل في خانة “العدو البعيد”، الذي لا تحين ساعة قتاله أبدا عند المتشددين المتنطعين.

ودعك من جدال قد يطول عن مدارس تفكير المتنطعين، وهل جاءت من الوهابية الصحراوية البدائية في شبه الجزيرة العربية؟ أم من صلب تفكير جماعات يمين دينى كبرى؟ فلا نريد أن تضيع القصة في دوامة اتهامات فكرية، ثم أن التفكير المتنطع لا يقوم بذاته، بل في سياق من التخلف الاقتصادي والاجتماعي بالذات، فالأمة التي لا تحترف العلم والتصنيع الشامل، تقع غالبا في هوة الدمار الشامل، والتفكير السياسي المتقدم، لا ينمو أبدا في بيئة متخلفة، والتنطع الديني عندنا، تجاوز مراحل الانحراف في فهم شؤون الدين والدنيا، وتحول إلى جريمة جنائية كاملة الأوصاف، تتخذ التكفير تكئة للتفجير، وتلجأ إلى غواية القتل، بل عبادته، وعلى طريقة شعار “سنأتيكم بالذبح”، فلا يكون الذبح غالبا إلا للمسلمين، ولا يؤدى غالبا إلا إلى واحدة من نتيجتين، إما توفير المبرر الجاهز لاستقواء نظم الفساد والاستبداد والقمع والتخلف، أو دمار الأوطان بكاملها، وعلى نحو ما حدث ويحدث في العراق وسوريا واليمن وليبيا، والصومال والسودان من قبل، وبمشاركة نشيطة من جماعات تدعي إمعانها في الأصولية والسلفية، سواء كانت سلفية شيعية، أو سلفية سنية في غالب الأحوال.

وكل جماعات اليمين الديني، تدعي نسبا ما للمعنى السلفي، ومن دون أن يختلف سلوكها في مرحلة “الدعشنة” أو التنطع، حتى لو حارب بعضها بعضا، فالسلفية “الجامية” نسبة إلى مؤسسها الشيخ محمد أمان الجامي، لا تختلف في شهوة القتل عن السلفية “الجهادية”، “الجامية” تدافع عن السلاطين وولاة الأمور، وتحرم الخروج عليهم، بينما أختها “الجهادية”، تكفر الناس وولاتهم، ولا تلتقي النزعتان إلا عند حد القتل ومهارة قطع الرؤوس، فقد حولوا القتل من عادة إلى عبادة، تماما كما تحولت جماعات دينية مراوغة بالكذب من عادة إلى عبادة، وبتبريرات سخيفة من نوع “الحرب خدعة”. وأخطر ما في سياقات المتنطعين، أن الظاهرة المدمرة للأوطان وناسها، زحفت إلى الجبهة الفلسطينية ذاتها، أي على خط الصدام المباشر مع كيان الاغتصاب الإسرائيلي، وإلى قلعة المقاومة المحررة المحاصرة في غزة، حيث تستغل عواطف الشباب الدينية، وتدفعهم إلى مهاوي الردى والتهلكة، بدعوى نصرة الإسلام، وتكفير حركات المقاومة، حتى الإسلامية منها، كحركة حماس وجماعة الجهاد الإسلامي، وسحب عناصر من قواعد حركات المقاومة الإسلامية، وتحويل اهتمامهم إلى هدف آخر، وتحت شعار إقامة دولة الخلافة، الواجب تقديمه بزعمهم حتى على تحرير فلسطين ذاتها، فلا تكون النتيجة إلا حرف البوصلة، وتمزيق حركات المقاومة، وتشتيت الجبهة الداخلية، ولا يكون لذلك من أثر، إلا الخدمة المباشرة لإسرائيل، التي تريد دوام الفرقة بين رام الله وغزة، واتصال الصدام بين “فتح” الوطنية و”حماس” الإسلامية، ثم خلق عدو إسلامي للمقاومة الإسلامية في غزة، خصوصا إذا كان العدو “الإسلامي” الجديد، لا يحارب إسرائيل، بل يحارب حركات المقاومة نفسها تخفيفا عن إسرائيل. وهذه هي اللعبة الأخطر، التي قد لا يدرك حدودها شباب الجماعات السلفية المتنطعة، فقد تعود هؤلاء على الموت والقتل بدون تمييز، وعلى ظن فاسد، أنهم يطيعون الله أكثر بما يفعلون، بينما هم يحاربون الله ورسوله وعموم المؤمنين، ولا يعرفون من الدين سوى السمع والطاعة لأوامر قادتهم، وعظاتهم طويلة اللحى، ومن دون دراية كافية بأصول القادة المدعين، ولا بشبكات التمويل والرعاية، وخطوط الأوامر والتخابر، فكل ذلك ظلام يجري في ظلام، لا يرى المخدوعون منه سوى الرايات السود، التي تنتحل زورا اسم الله ورسوله، وتدفعهم إلى عمليات تدمير انتحاري، شوهت الصورة الجميلة المتقادمة للعمليات الاستشهادية، حين كانت تجري في لبنان مع نشأة مقاومة حزب الله، أو حين جرت بشباب “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في قلب فلسطين المحتلة، وفيها كان الشباب الملغوم يضحون بأنفسهم، طلبا لهدف واضح مشروع نقلا وعقلا، هو إيذاء العدو وإرعابه، وتكبيده خسائر كبرى، بينما المتنطعون يفعلون العكس بالضبط، ويرعبون الفلسطينيين لا الإسرائيليين، ولا تفرح بهم سوى مخابرات العدو، ويصدق فيهم قول رسول الله “هلك المتنطعون”، وهم العدو كالعدو فاحذرهم.

*كاتب مصري
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات