الوثيقة | مشاهدة الموضوع - حكومة علاوي: مخاض عسير وولادة لا تعد بالكثير : صادق الطائي
تغيير حجم الخط     

حكومة علاوي: مخاض عسير وولادة لا تعد بالكثير : صادق الطائي

مشاركة » الاثنين فبراير 24, 2020 2:17 am

8.jpg
 
ولادة عسيرة لحكومة لا أحد يعرف كنهها، فقد اتفقت كتلة «سائرون» وكتلة «البناء» على تقديم اسم محمد توفيق علاوي، كمرشح توافقي للكتل السياسية، وتم تكليفه من رئيس الجمهورية، من دون أن يفسر أحد كنه التكليف، أو ماهية الحكومة المقبلة، ومن المعلوم عدم وجود توصيف دستوري يصف وضع الحكومات المؤقتة أو الانتقالية في العراق، كما أن كتاب التكليف الرسمي الخاص بتكليف محمد توفيق علاوي الصادر من رئاسة الجمهورية لم يعلن، ولم يقرأه أحد.
فهل ستكون حكومة علاوي حكومة مؤقتة محددة بزمن معين؟ وهل ستختتم أعمالها بإجراء الانتخابات المبكرة؟ أم ستكون حكومة دائمية ذات صلاحيات كاملة، وبالتالي تطالبها الكتل السياسية باتخاذ إجراءات عاجلة لإخراج القوات الأجنبية من العراق؟ وإذا كانت ساحات الانتفاضة في بغداد ومدن الجنوب رافضة لحكومة علاوي، فما الفائدة المتوخاة من تكليف الرجل؟ وهل ستستمر الانتفاضة في تصعيد احتجاجاتها؟ أم ستتجه إلى الضغط على علاوي وحكومته عن طريق التفاوض؟
البداية كانت في التصريحات المتفائلة التي أطلقها المكلف محمد توفيق علاوي عند بدء مشاوراته الحكومية، إذ صرح في 15 فبراير/شباط إنه اقترب من تحقيق «إنجاز تاريخي»، يتمثل بتشكيلة حكومية مستقلة «من الأكفاء»، من دون تدخل أي ‏طرف سياسي‎.‎ وفي تغريدة نشرها في صفحته على تويتر، قال محمد توفيق علاوي «اقتربنا من تحقيق إنجاز تاريخي، يتمثل ‏بإكمال كابينة وزارية مستقلة من الأكفاء والنزيهين، من دون تدخل أي طرف سياسي»،‎ لكن سرعان ما اتضح عدم دقة هذا التصريح، إذ رفضت الكتل الكردية وبعض الكتل السنية حرية اختيار علاوي لكابينته الوزارية من المستقلين، وتمسك الحزبين الكرديين الكبيرين، بما وصفوها «استحقاقتهم الانتخابية في الوزارات»، وأدانت الكتلتان الكرديتان حق الشيعة في تسمية رئيس الوزراء، بينما يمنعونهم من تسمية وزرائهم. فقد صرح الكرد بأنهم لن يمرروا ‏حكومة علاوي، إلا في حالة حصولهم على الوزارات التي تحت سيطرتهم في حكومة عبد المهدي، وإلا فانهم ‏سيتحولون إلى المعارضة. ومن الكوميديا السوداء في العراق، إشارة بعض الساسة الكرد إلى مساندتهم لحقوق المنتفضين في بغداد ومدن الجنوب، ‏وواجب حكومة علاوي تنفيذ مطالب المحتجين، متناسين أن حكومة إقليم كردستان تقمع بالنار والحديد كل من ‏يتظاهر أو يحتج على فساد ونهب عوائل الزعماء السياسيين، الذين حولوا الإقليم إلى إقطاعيات عائلية.‏ كذلك نجد بعض الكتل الشيعية التي صرحت بمقاطعتها ترشيح حكومة علاوي، مثل كتلة «النصر» بقيادة ‏حيدر العبادي لأنها تجدها حكومة لا تلبي متطلبات ساحات الاحتجاج. أما كتلة «دولة القانون» بقيادة نوري ‏المالكي المنضوية تحت ائتلاف البناء، فإنها لن تمنح حكومة علاوي ثقتها، بسبب نزاعات شخصية ‏على خلفية صراع نوري المالكي ومحمد توفيق علاوي إبان حكومة المالكي الثانية.
من جانب آخر، رفضت بعض الكتل السنية وأبرزها «تحالف القوى» التنازل عن استحقاقها في الوزارات أيضا، وصرحت بأنها لن تمنح حكومة علاوي الثقة ما لم تحصل على استحقاقها من الوزارات، وبذلك ستواجه حكومة علاوي رفض الكرد وبعض السنة، فكيف يمكن تمريرها برلمانيا؟ لقد أشار النائب العراقي السابق رحيم الدراجي في برنامج تلفزيوني يوم الجمعة 21 فبراير، إلى تسريبات عن توزيع الحقائب الوزارية وفق الكوتا الخاصة بالمكونات الشيعية والسنية والكردية والأقليات الإثنية، ووفقا لاتفاقات تشكيلة كابينة حكومة علاوي، سيحصل الشيعة على 12 وزارة، أما الوزارات السيادية فسيتم توزيع وزارة المالية والنفط والخارجية بين السنة والشيعة والكرد، لكن هذه التوزيعة لا تعني انتهاء مشكلة صراع الأحزاب داخل كل مكون على الحصص الوزارية، وبحسب الدراجي إن المكلف محمد توفيق علاوي طرح أسماء لم يسبق لها أن اشتركت في العملية السياسية، ليقنع الشارع المنتفض إنهم مستقلون، بينما تصر الكتل السياسية على أن تلعب هي دور المرشح لمجموعة أسماء، وعلى علاوي الاختيار منها.
والمعلوم أن هذه الخطوات قد مرّ بها تشكيل حكومة عادل عبد المهدي، التي أطاحتها انتفاضة تشرين، إذ أعلن حينها أن عادل عبد المهدي سيكون رئيس وزراء توافقي، وستترك له حرية تشكيل كابينته من التكنوقراط المستقلين، وقام عبد المهدي بفتح نافذة إلكترونية لتلقي سير شخصية لمن يود الترشح لمنصب وزاري، على أن تقوم لجنة مختصة بفرز السير واختيار الأنسب منها، لكن المضحك المبكي في عراق الفساد، قدم لنا سيناريو جهنمي نفذته الأحزاب الفاسدة، والذي بات يعرف بـ»حكومة مديري المكاتب»، إذ أن الوزراء الذين تم اختيارهم على إنهم مستقلون، وجدوا أنفسهم محاصرين بجيوش الأحزاب الحاكمة، وتم تهديدهم عبر تعيين مدير مكتب الوزير، الذي يفرض سياسة الحزب على الوزير المستقل، بعد إبلاغه أن «هذه الوزارة تابعة لنا ونحن من يتحكم بها، فإذا لم يعجبك الوضع بإمكانك تقديم استقالتك»، وهذا ما تم في وزارة الصحة ووزيرها علاء الدين العلوان مثلا.

إجراء انتخابات مبكرة تحت الظروف نفسها التي يعيشها العراق اليوم، يعني إعادة تدوير وجوه العملية السياسية وأحزابها الفاسدة

أما تسريبات بيع الوزارات وصفقات الفساد المريبة، التي مرّت بها حكومة عبد المهدي، فقد أثيرت مجددا بوجه حكومة علاوي، إذ أشار تقرير بثته قناة «الحرة» نقلا عن مصادر سياسية إلى إن «وزارة الكهرباء ‏وصل سعرها إلى 80 مليون دولار، في ما بلغت قيمة وزارة الاتصالات نحو 35 مليون دولار‎»، كما غرد النائب كاظم الصيادي على حسابه في «تويتر» قائلا «وزارة النفط بـ 10 ‏مليارات من يشتري، المناصب للبيع، القبعات للبيع من يشتري»، في إشارة إلى افتتاح بعض ‏الكتل السياسية مزاد بيع الوزارات. بينما ذكر المحلل السياسي إبراهيم الصميدعي الذي يقدم نفسه على انه مقرب من الرئيس المكلف علاوي، إذ ذكر في برنامج حواري في قناة الحرة «يوم أمس عرضت عليَّ جهة مبلغ 30 مليون دولار مقابل الدعم لوزارة،‎‏ ثلاثة ملايين دولار تحت ‏تصرفي والباقي لدعم المرشح»، ويسمي الصميدعي اتفاقات تشكيل الحكومة بـ»البازار» أو السوق، لكنه يؤكد أن رئيس الحكومة ‏المكلف «يحتكر بشكل منفرد عملية تشكيل الحكومة»،‎ وفي هذا الخصوص صرح المتحدث الرسمي باسم مجلس القضاء الأعلى عبدالستار بيرقدار بالقول، إن «القضاء سيحقق في تصريحات كل من يظهر في وسائل الإعلام، ويدعي حصول مساومات ‏لإشغال مناصب في الحكومة الجديدة، وفي حال كذب هذا الادعاء سوف يعاقب من صرح بمعلومات مخالفة ‏للحقيقة، وفق القانون».
ساحات الاحتجاج ‏بدورها كان موقفها واضحا تجاه حكومة علاوي منذ البداية، إذ رفضت تنسيقيات ‏الساحات في بغداد والمحافظات ‏الجنوبية تكليف محمد توفيق علاوي بتشكيل الحكومة، لأنه شخص لا تنطبق ‏عليه المواصفات التي طالب ‏بها المنتفضون، لذلك تعرضت الساحات في بغداد والنجف وكربلاء ‏والناصرية إلى هجمات من ميليشيات ‏التيار الصدري مثل، سرايا السلام والقبعات الزرق، وقد تكالبت على ‏المعتصمين هجمات القوات الأمنية ‏وهجمات الصدريين في الآن نفسه، إذ تعرض العديد من المعتصمين ‏للطعن بالسكاكين والقتل بالكواتم ‏وإحراق الخيم والضغط على ساحات الاحتجاج لكسر حالة الرفض ‏التي يعلنونها بوجه حكومة علاوي.‏
أما فصائل المقاومة الإسلامية الموالية لايران، فأنهم يصرحون بأنهم اشترطوا على المكلف محمد توفيق علاوي أن يحدد موعدا للانتخابات المبكرة، لمنح كابينته الثقة، وكأنهم يمنون على الشارع المحتج بذلك، لكن ردّ شباب الساحات عليهم جاء واضحا وصريحا، ومفاده أن إجراء انتخابات مبكرة تحت الظروف نفسها التي يعيشها العراق اليوم، يعني إعادة تدوير وجوه العملية السياسية الفاسدة وأحزابها التي اوغلت في الفساد، وفي دماء شباب الانتفاضة، لذلك لابد من تشكيل حكومة مؤقتة، ولابد من حل البرلمان لقطع الطريق أمام المطالبين بمنح البرلمان الثقة لحكومة الانتفاضة، لتبدأ عندها المرحلة الانتقالية، التي يتم فيها تعديل قانون الاحزاب وبأثر رجعي، ليتم الكشف عن المال الفاسد الذي استحوذت عليه الاحزاب عبر نهب المال العام، وتعديل قانون الانتخابات، وتشكيل مفوضية مستقلة للانتخابات مهمتها الإشراف على الانتخابات تحت مراقبة الأمم المتحدة، ليتم انتخاب برلمان ممثل بشكل حقيقي للشعب العراقي، ليتولى بدوره كتابة أو تعديل الدستور الدائم، وإفراز حكومة دائمة تتولى مهام الخدمات والأمن واحتكار القوة والسلاح ومحاسبة الفاسدين وقتلة المتظاهرين.
وإلا وبدون تطبيق خطوات الحكومة المؤقتة الحقيقية، فإننا سنكون إزاء حكومة ضعيفة ستتلاعب بها الأحزاب الفاسدة، كما تلاعبت بحكومة عبد المهدي، وإذا تم تمريرها بعد مخاضها العسير في البرلمان، فسرعان ما ستسقط في غضون شهور قليلة أمام إصرار ساحات الانتفاضة.
كاتب عراقي
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات