تغيير حجم الخط     

هل حملة الاعتقالات الأخيرة في العراق هي محاولة لإعادة البلاد لمسارها الطبيعي أم عملية تجميل أخرى؟

مشاركة » الأحد سبتمبر 13, 2026 2:36 pm

1.jpg
 
لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا أعده غيث عبد الأحد، تساءل فيه إن كانت الاعتقالات الأخيرة في العراق محاولة لجعل البلد طبيعيا وخاليا من الفساد والمحسوبية، أم أنها واحدة من المحاولات والوعود الكثيرة التي قدمها ساسة العراق منذ عام 2003.

فقد قابل العراقيون حملة اعتقالات جرت في 28 حزيران/يونيو لـ50 شخصا، من بينهم 12 نائبا ومسؤولا بارزا، ومصادرة مئات الملايين من الدولارات نقدا وذهبا، بشماتة لا مثيل لها في الماضي.

إذا كان هناك شيء يتفق عليه العراقيون، من جميع المذاهب والطوائف والأعراق والخلفيات الاجتماعية، فهو فساد الأحزاب السياسية التي حكمت البلاد منذ عام 2003

فإذا كان هناك شيء يتفق عليه العراقيون، من جميع المذاهب والطوائف والأعراق والخلفيات الاجتماعية، فهو فساد الأحزاب السياسية التي حكمت البلاد منذ عام 2003، وجشع زمرة من رؤساء الأحزاب ورجال الأعمال وقادة الميليشيات.

وأشار الكاتب إلى أن الإجراءات جرت في ظل رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، الذي وعد في حفل تنصيبه قبل شهر من الاعتقالات بنفس الوعود التي تعهد بها أسلافه، وهذه المرة بخطاب مليء بالأخطاء النحوية. فقد تعهد بجعل العراق عظيما مرة أخرى: دعم الصناعة المحلية والزراعة والشباب وإصلاح شبكة الكهرباء وحل أزمة السكن. لكن القضيتين اللتين شدد عليهما رجل الأعمال الثري ذو الخبرة السياسية المحدودة باعتبارهما الأكثر إلحاحا هما نزع سلاح الفصائل الموالية لإيران ومكافحة الفساد “بلا حدود”.

وكان هناك إلحاح للحظة، فمع نضوب خزائن العراق تقريبا بعد التوقف شبه التام لصادراته النفطية منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فإن هاتين القضيتين، الميليشيات والفساد، مترابطتان، وتهددان في ظل شبح الحرب الدولة نفسها.

لكن رئيس الوزراء الذي سبقه، والذي سبقه أيضا، بدآ ولايتيهما بخطوات مماثلة، بإعلان فضح شبكات فساد واسعة النطاق، وانتهى بهما المطاف غارقين في اتهامات فساد خاصة بهما، بينما بقيت الخدمات العامة في البلاد في حالة يرثى لها. فلماذا سيكون الوضع مختلفا هذه المرة؟

ورد مصدر حكومي في تصريحات لصحيفة “الغارديان”: “لا، هذا ليس إجراء يتبعه كل رئيس وزراء”، “لا، هذا أمر غير مسبوق، زلزال حقيقي في الأوساط السياسية، لأنه بمثابة رسالة لجميع السياسيين حول ما قد يحدث لهم. للجميع، دون استثناء”.

وأضاف: “ما نشهده هو رئيس وزراء يحاول تفكيك الإمبراطوريات المالية للأحزاب السياسية، إمبراطوريات بنيت على فساد واضح للعيان، تورط فيه كل سياسي دون استثناء. لذا، عندما تختار أربعة أو خمسة منهم وتشن عليهم هجوما، فأنت ترسل رسالة للجميع: ما حدث لهؤلاء قد يحدث لكم جميعًا، إن لم تفعلوا كذا وكذا”.

وأضافت الصحيفة أن الزيدي وصل إلى السلطة كمرشح توافقي بعد أشهر من المفاوضات بين الإطار التنسيقي، وهو كتلة الأحزاب والشخصيات الشيعية الرئيسية في البرلمان، وبعد أن استخدمت إدارة ترامب حق النقض ضد المرشحين الرئيسيين. وقد كانت المفاوضات التي هي في حقيقتها مساومة على تقسيم الغنائم، عملية معدة مسبقا، تتكرر بعد كل انتخابات على مدى العقدين الماضيين، في ظل نظام يعرف باسم “المحاصصة”، والذي أصبح حجر الزاوية في السياسة العراقية، والذي ابتكرته أحزاب المعارضة العراقية في المنفى في التسعينيات كترتيب لتقاسم السلطة يمنع العراق من الانزلاق مجددا إلى الديكتاتورية.

وبموجب “المحاصصة”، يكون رئيس الوزراء شيعيا، والرئيس كرديا. لكن “المحاصصة” أصبحت تعني أيضا تقسيم المناصب الحكومية بين جميع الفصائل السياسية: السنة والشيعة والأكراد وغيرهم

وقد تم استيراد هذا الترتيب بالكامل بعد الغزو الأمريكي عام 2003 من قبل تلك الأحزاب نفسها والأمريكيين. وبموجب “المحاصصة”، يكون رئيس الوزراء شيعيا، والرئيس كرديا. لكن “المحاصصة” أصبحت تعني أيضا تقسيم المناصب الحكومية بين جميع الفصائل السياسية: السنة والشيعة والأكراد وغيرهم. فيما يتنازع زعماء الأحزاب وقادة الميليشيات ويتبادلون التهديدات والإغراءات، ويدعي بعضهم تمثيل الحقوق التاريخية لمجتمعهم، بينما يندد آخرون بالظلم التاريخي الذي لحق بهم، وكل ذلك في محاولة لزيادة حصتهم من الوزارات والمؤسسات الحكومية المربحة، وتحويلها إلى إقطاعيات حزبية، يديرون من خلالها كل مخطط ممكن للاحتيال على الخزينة العامة.

ونقلت الصحيفة عن مصرفي دولي، استعانت به حكومة سابقة للمساعدة في تطهير النظام، قوله: “لقد أنشأت الأحزاب دولا داخل الدولة، ربما لدينا سبع أو ثماني من هذه الدول المصغرة، تستنزف ما بين 5% و10% من كل عقد حكومي”.

وقالت الصحيفة إن نظام تقاسم السلطة القائم على المحاصصة، عادة ما تجري فيه المساومات والمفاوضات داخل الكتل والأحزاب، ويتم اختيار شخص يمثلها يعرف بالجهاز البيروقراطي وأنظمته العتيقة والمختلة: موظفون حكوميون نجحوا في تسخير هذه الأنظمة المتضاربة في كثير من الأحيان، والتي تراكمت على مدى أكثر من قرن، بدءا من العثمانيين، مرورا بالبريطانيين الذين استوردوا نظاما للحكم الهندي، وصولا إلى الدكتاتوريين العسكريين الذين أضفوا عليه طابعا اشتراكيا، وانتهاء بالشباب الأمريكيين المتحمسين الذين وصلوا إلى بغداد بعد حرب 2003 التي أطاحت بصدام حسين، والذين أرادوا إنشاء دولة نيوليبرالية ذات اقتصاد سوق حر، دون أي معرفة بالعراق أو تاريخه.

وتطبق هذه الأنظمة على جميع المستويات لعرقلة كل وظيفة من وظائف الدولة، من إصدار بطاقة هوية إلى توقيع عقد بمليارات الدولارات، إلى أن تدفع رشوة لضمان إنجاز المهمة بسلاسة. وضمن هذا الإطار تم تعيين عدنان الجميلي، المهندس الشاب، نائبا لوزير النفط مسؤولا عن المصافي. وقد احتفت بعض الصحف المحلية الموالية للحكومة بصعوده السريع في المناصب، بدءا من منصب مدير مصفاة واحدة، ثم مديرا للمؤسسة الحكومية المشرفة على مصافي الشمال، والمسؤولة عن عدة مصاف، معتبرة ذلك وضعا لموهبة شابة نزيهة وكفؤة على رأس الإدارة، قادرة على إنهاء سنوات من سوء الإدارة والنكسات.

ويظهر في عدة مقاطع فيديو إلى جانب رئيس الوزراء آنذاك، محمد شياع السوداني، الذي اختارته الأحزاب الشيعية نفسها لتشكيل حكومة تركز على تقديم الخدمات الأساسية. وفي أحد المقاطع، حصل على جائزة “الموظف المتميز” من السوداني. لكن بعد فترة وجيزة من خسارة السوداني محاولته للفوز بولاية ثانية وتولي الزيدي رئاسة الوزراء، انهار كل شيء.

مَثُل الجميلي أمام المحكمة على شاشة التلفزيون مرتديا بدلة صفراء، محاطا بعشرات الرشاشات وصناديق الذخيرة التي عثر عليها في منزله. وقال المحققون إنهم استعادوا أيضا 10 ملايين دولار (7.4 مليون جنيه إسترليني) نقدا، و3 مليارات دينار (حوالي مليوني دولار)، و1.5 كيلوغرام من الذهب، بالإضافة إلى حوالي 40 عقارا في بغداد ومحافظات أخرى. وفي الأسابيع اللاحقة، ظهرت المزيد من الثروات: أموال نقدية مخبأة في زجاجات مياه بلاستيكية، ومخبأة في بالوعة تصريف مياه الأمطار، ومخبأة في الجدران، وزُعم أيضا وجود 7 مليارات دينار عراقي ضبطت زوجته وهي تحاول حرقها في فرن خارجي.

وبحلول منتصف يوليو/تموز، بلغ إجمالي ما تم ضبطه في القضية 127 مليار دينار (96 مليون دولار أمريكي)، منها 24 مليون دولار نقدا، بالإضافة إلى عقارات ومركبات و375 كيلوغراما من الذهب، و70 عقارا وعدد من السيارات. وما صدم الكثير من العراقيين هو بشاعة الأمر برمته، وكيف انتهى المطاف بالأموال، التي جمعت عبر مخططات محكمة لنهب الملايين، مدفونة تحت الأرض أو مخبأة في صناديق وعلب بلاستيكية كبيرة الحجم.

بحلول منتصف يوليو/تموز، بلغ إجمالي ما تم ضبطه في القضية 127 مليار دينار (96 مليون دولار أمريكي)، منها 24 مليون دولار نقدا، بالإضافة إلى عقارات ومركبات و375 كيلوغراما من الذهب، و70 عقارا وعدد من السيارات

ووفقا للتحقيق القضائي، أدار الجميلي مخططا جنى منه مئات الملايين من الدولارات. وفي لقاء مع صحافيين عراقيين في اليوم التالي، قال الزيدي إن الجميلي حاول رشوته قبل اعتقاله بمبلغ 200 مليون دولار للاحتفاظ بمنصبه، وذكرت بعض التقارير أن العرض وصل إلى 600 مليون دولار. وسواء كان الجميلي هو العقل المدبر لكل هذا الفساد، أو أنه كان معدا له مسبقا، يبقى الأمر مجهولا. لكن منذ لحظة وصوله إلى وزارة النفط، بدأ في جمع عمولات ضخمة من العقود والجوائز الممنوحة للشركات والمقاولين، ومن شحنات الوقود المحولة.

وقال مصدر حكومي مطلع: “أعتقد أن قضية عدنان الجميلي نموذج لكيفية إدارة الأمور، وكيفية عمل آلية تعيين الأشخاص في مناصب محددة. هذه المناصب مسؤولة عن توليد إيرادات ضخمة، بطرق غير مشروعة، لحزب أو عدة أحزاب. الأمر أشبه بتعدين البيتكوين، فهي تدر المال”.

وتزامنت التحقيقات والاعتقالات مع أمرين: الضغط الشديد على المالية العراقية جراء الحرب، ودور الولايات المتحدة المتزايد في تشكيل السياسة العراقية.

وبحسب مصادر حكومية، وأعضاء في البرلمان ومصدر مقرب من القضاء، فإن الأمريكيين الذين سئموا من التعامل مع السياسيين العراقيين الذين يفشلون باستمرار في تحقيق أي إصلاحات بنوا علاقة ودية مع القضاء العراقي. وقد لعب المبعوث الأمريكي الجديد، توم براك، دورا فاعلا، مدفوعا بتصريحات القضاء المتزايدة حزما بشأن احتكار الدولة للأسلحة. وعلى مدى شهور عديدة، بحث المحققون عن قضية فساد يمكن فضحها علنا. وكان التحدي يكمن في إيجاد قضية، عند كشفها، تتصدر عناوين الأخبار محليا ودوليا، مع ضمان ألا تؤدي تداعياتها إلى انهيار النظام السياسي برمته بعد عام 2003.

وكانت قضية الجميلي مثالية: فقد تورط فيها عدد من السياسيين البارزين، لكنها لم تصل إلى حد تسمية كبار قادة الأحزاب. وكما قال أحد المسؤولين: “لا أحد يعلم، في نهاية المطاف، ما قد تفعله الفصائل المسلحة إذا استمر الضغط على هذه الأطراف؟ وماذا قد تفعل إيران؟” وقد أثارت هذه القضية حساسية بالغة لدى الأمريكيين تحديدا: تهريب النفط العراقي.

ويبدو أن استقدام الزيدي، أو على الأقل الدعم الذي يحظى به من الولايات المتحدة والقضاء، كان مدروسا بدقة لهذه اللحظة، كما قال هو ومسؤولون آخرون. شخص ذو خبرة ومعرفة كافية بآليات تهريب الأموال من الدولة، يعرف كيف تهرب الأموال وتوجه وتستخلص عبر العقود والمشاريع والعمولات وما إلى ذلك.

ولكن هل ستثمر هذه الحملة الأخيرة لمكافحة الفساد نتائج ملموسة؟ أم أنها ستكون، في أحسن الأحوال، مجرد عملية تجميلية أخرى، إن لم تكن تصفية حسابات سياسية؟ وكيف يمكن للعراق أن يصبح دولة طبيعية قادرة على الإصلاح، وهو يقع على خط صدع إقليمي، عالقا في خضم حرب متعددة الجبهات تخاض على أرضه وفي سمائه؟ وهل يمكن تحقيق هذا الإصلاح دون محاسبة قادة الأحزاب والدوائر الصغيرة التي بنوها؟
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات