لندن ـ «القدس العربي»: اكتشف العلماءُ أول دليل ملموس على ما أسموه «المادة الغامضة» التي يسود الاعتقاد بأنها تشكل 25 في المئة من الكون الذي نعيش فيه، وهو ما قد يفتح الباب أمام الكثير من الاكتشافات والدراسات المستقبلية التي قد تفسر بعض الظواهر الغامضة في الكون.
وقال تقرير نشرته جريدة «دايلي ميل» البريطانية، واطلعت عليه «القدس العربي»، إن العلماء التقطوا أول دليل مباشر على وجود المادة المظلمة، تلك المادة الغامضة التي تُشكل أكثر من ربع الكون.
وباستخدام تلسكوب فيرمي التابع لوكالة الفضاء الأمريكية «ناسا»، رصد الباحثون إشعاعاً قوياً لأشعة «غاما» ينبعث من بنية تُشبه الهالة تُحيط بمجرة درب التبانة.
ويشير تردده وكثافته إلى أنه قد يكون مادة مظلمة.
ووفقاً لمؤلف الدراسة، البروفيسور تومونوري توتاني من جامعة طوكيو، فإن هذه الصورة الغريبة هي المرة الأولى التي تتمكن فيها البشرية من «رؤية» هذه المادة الغامضة.
وعلى مدار ما يقرب من عقدين من الزمن، عرف العلماء وجود وهج من إشعاع أشعة «غاما» قادم من قلب مجرة درب التبانة يُسمى فائض مركز المجرة «GC»، ومع ذلك، فإن ما يُسمى «بصمة الهالة» المحيطة بمجرتنا هو شيء لم يره أي عالم من قبل.
وأوضح البروفيسور توتاني: «بينما يتركز فائض GC في مركز المجرة، فإن إشارة الهالة التي رصدتها موزعة بشكل رقيق عبر منطقة الهالة. أعتقد أن هذا يُشير بقوة إلى إشعاع من المادة المظلمة».
ويساعد التأثير غير المرئي للمادة المظلمة في تفسير كل شيء، من دوران المجرات إلى تمدد الكون. ولكن على الرغم من أهميتها الهائلة للفيزياء الحديثة، لم يتمكن العلماء من رصد المادة المظلمة بشكل مباشر إلا من خلال قياس آثارها التجاذبية، بحسب تقرير «دايلي ميل».
والآن، يعتقد البروفيسور توتاني أنه وجد أخيراً طريقة لتغيير هذا، حيث يعتقد العديد من العلماء أن المادة المظلمة تتكون من ما يُسمى بالجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل «WIMPs»، وهذه الجسيمات أكبر بكثير من الجسيمات العادية مثل البروتونات، لكنها لا تتفاعل مع المادة التقليدية، مما يجعل اكتشافها شبه مستحيل.
ومع ذلك، عندما يصطدم جسيمان ضعيفا التفاعل يُفنيان ويُطلقان دفقة من الفوتونات على شكل إشعاع أشعة غاما.
وباستخدام بيانات 15 عاماً من تلسكوب فيرمي الفضائي لأشعة غاما التابع لوكالة «ناسا»، نظر البروفيسور توتاني إلى منطقة من المجرة كان يُعتقد أن المادة المظلمة تتجمع فيها. وهناك، وجد أن أشعة غاما ذات «كمية هائلة من الطاقة» تمتد في بنية كبيرة تشبه الهالة، تنبثق من مركز المجرة.
وكانت هذه الطاقة تنبعث من نفس المكان الذي توقعت دراسات سابقة أن تكون فيه المادة المظلمة أكثر تركيزاً.
والأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أن مستوى الطاقة هذا هو بالضبط ما توقعه بعض العلماء أن تنتجه جسيمات المادة المظلمة المتصادمة.
ويقول العلماء إن هذه قد تكون هي المرة الأولى التي يجد فيها العلماء طريقة لدراسة المادة المظلمة نفسها.
وصرح البروفيسور توتاني: «بما أننا نرصد مباشرةً أشعة غاما المنبعثة من المادة المظلمة، فأنا شخصيًا أعتقد أنه يمكن اعتبار ذلك «رصداً مباشراً». ومن المهم أن بصمة الهالة تختلف تماماً عن الملاحظات السابقة لفائض الغلاصم الأسود.
وصرح الدكتور مورتس مورو، خبير المادة المظلمة من معهد لايبنيز للفيزياء الفلكية، والذي لم يشارك في الدراسة: «لا يُشع أيٌّ من الأجرام النجمية المعروفة طاقةً بمثل هذه المستويات العالية، وبالتالي، يميل توتاني بشدة إلى فرضية المادة المظلمة».
وفي حين يقول الدكتور مورو إن هذا ليس «دليلاً قاطعاً»، إلا أنه يُضيف أنه «يُعزز فهمنا للمادة المظلمة بشكل كبير». ومع ذلك، ليس الجميع مقتنعاً.
وصرح البروفيسور جو سيلك، الباحث في المادة المظلمة من جامعة جونز هوبكنز والذي لم يشارك في الدراسة، بأنه يعتقد أن ادعاء اكتشاف المادة المظلمة «سابق لأوانه». وقال إن توقعات البروفيسور توتاني بشأن كمية الطاقة التي ينبغي أن تنتجها الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل «WIMP» أعلى بكثير من حسابات بعض العلماء.
ويقول البروفيسور سيلك: «بالطبع، قد تكون توقعاتنا خاطئة، ولكن إذا كانت صحيحة، لكان من المفترض أن نرصد إشارة أشعة غاما من المجرات القزمة القريبة التي تهيمن عليها المادة المظلمة».
وبالإضافة إلى ذلك، يجادل البروفيسور سيلك بأن أشعة غاما القوية هذه قد تكون نتاج انفجار هائل انبعث من الثقب الأسود المركزي للمجرة قبل حوالي 10 مليارات سنة.
وأدى هذا الانفجار إلى ظهور هياكل ضخمة تُعرف باسم «فقاعات فيرمي» تمتد على جانبي المجرة، ولكن ربما يكون قد بدأ أيضًا تفاعلًا متسلسلاً قوياً.
ويقول البروفيسور سيلك: «ما لم يأخذه في الاعتبار هو أن مثل هذا الانفجار الذي تسبب في فقاعات فيرمي يرتبط بجبهات صدمية عنيفة ذات مجالات مغناطيسية مضطربة تُعرف بأنها مسرعات جسيمات عملاقة. لذا، ربما يكونون قد حقنوا العديد من الجسيمات النشطة التي كان انتشارها وتفاعلها اللاحق مع الغاز المحيط سيولدان توهجًا إضافيًا لأشعة غاما. في هذه الحالة، ليس لدينا أي دليل على وجود المادة المظلمة».
وفي بحثه، المنشور في مجلة علم الكونيات وفيزياء الجسيمات الفلكية، يُقر البروفيسور توتاني بالحاجة إلى المزيد من الرصد لإثبات أن هذه المادة المظلمة حقاً. ويقول إنه إذا كانت المناطق الأخرى التي يُفترض أن تحتوي على الكثير من المادة المظلمة، مثل المجرات القزمة القريبة، تحمل بصمات أشعة غاما مماثلة، فسيكون ذلك دليلاً قوياً على الادعاء.