الناصرة – “رأي اليوم” – من زهير أندراوس:
قال الدبلوماسيّ البريطانيّ السابق، أليستر كروك، إنّه يعتقد أنّ الآراء في البنتاغون حول قدرة إيران محو إسرائيل عن الخارطة منقسمة، وهناك مَنْ يقول إنّ إسرائيل لا يمكنها الصمود في هذه الحرب، وذلك استنادًا إلى الأدلّة وليس للفرضيات، أيْ الأدلّة على ما جرى في حرب الـ 12 يومًا بين إسرائيل وإيران.
عنجهيّة واشنطن والكيان: كيف يُمكِن لإيران تحدّي أنظمتنا الصاروخيّة؟
وتابع، في لقاءٍ مع القاضي المتقاعد أندرو نابوليتانو ضمن بودكاست (Judging Freedom)، “لقد تعرّضت إسرائيل لهجومٍ غيرُ مسبوقٍ وتكبدّت أضرارًا حقيقيّةً، ولكن هناك آخرون، الذين يظهرون على شاشات التلفزيون ويقولون، كما تعلمون إنّ الصواريخ الإيرانيّة قديمةً، ولا تعمل حقًا، وسنُسقطها جميعًا، ولا توجد أيّ مشكلةٍ، لذا أنا أعتقد أنّ هناك أنواعًا مختلفةً من وجهات النظر، والرأي الآخر قائمٌ على أفكارٍ عاطفيّةٍ، أيْ أنّه ليس تفكيرًا، بل مجرّد انفعال، كما يقولون (كيف يُمكِن لإيران أنْ تتحدّى أنظمتنا الصاروخيّة؟)”.
“حسنًا، هذا هو العالم الجديد الذ تعيشون فيه، يا سادة البنتاغون، الصّينيون قادرون على ذلك وأيضًا روسيا تفعل ذلك، وإيران ليست متخلفةً، إنّها ليست دولةً تسير إلى الوراء”.
إسرائيل: “حزب الله مجرّد بدو حفاة يعيشون بالكهوف ويركبون الحمير”!
“أتذكّر أنّه في العام 2006، وهذه قصّةٌ حقيقيّةٌ تمامًا، كنتُ في لبنان خلال الحرب بين إسرائيل وحزب الله، وفي مرحلةٍ ما كاد حزب الله أنْ يُغرَق أحدث فرقاطة إسرائيليّة، إذْ أطلق صاروخ أرض-بحر كاد أنْ يُغرقها، وبعد ذلك أجرت إسرائيل تحقيقًا، وسئل قائد سلاح البحريّة لماذا لم تكُنْ لديكم أيّة دفاعاتٍ؟ ولماذا لم تُفعِّلوا أنظمة الدفاع على متن السفينة، وكانت مطفأةً ولم يتّم تشغيلها؟ فردّ القائد: لقد أبلغتنا الاستخبارات أنّ حزب الله مجرّد بدو حفاة يعيشون في الكهوف ويركبون الحمير، أعني أنّ هذه الرواية جرى توسيعها قليلاً، وهذا ما قُدِّم كدليلٍ، وقد دفعوا ثمن ذلك”.
على صلةٍ، حاول كروك في مقالٍ، نشره موقع “the Strategic Culture Foundation”، شرح خلفيات ما يجري في إيران حاليًا، مؤكِّدًا أنّ ترامب يعتمد بشكلٍ رئيسيٍّ في كلّ القضايا الدولية، على سيناريو (الدخول/الانفجار/الخروج).
مثيرو أعمال الشغب استخدموا العنف المُفرِط
وقال: “الاضطرابات التي جرى تنظيمها خارجيًا في إيران خلال الأسابيع الماضية اختفت تقريبًا بالكامل، بعدما أقدمت إيران على حجب المكالمات الدولية وقطع الإنترنت الدوليّ، والأهمّ من ذلك فصل اتصالات أقمار (ستارلينك). لم تُسجَّل أيّ اضطراباتٍ أوْ أعمال شغبٍ أوْ احتجاجاتٍ في أيّ مدينةٍ إيرانيّةٍ منذ عدّة أيّامٍ. لا تقارير جديدة، بل على العكس، خرجت تظاهرات حاشدة مؤيدة للدولة. أمّا مقاطع الفيديو المتداولة حاليًا فهي في معظمها قديمة، ويُقال إنّها تُضخّ من مركزين رئيسيين خارج إيران.”
وأردف: “كان أثر قطع صلة المحتجّين بمشغّليهم الخارجيين فوريًا، ما يؤكِّد أنّ أعمال الشغب لم تكن يومًا عفويةً، بل مُخطَّطًا لها منذ زمن. وقد أدّى قمع العنف المفرط الذي مارسته مجموعات مدرَّبة جيدًا من المشاغبين، إلى جانب اعتقال قادتهم، إلى إزالة الركيزة الأساسية لهذه الجولة من استراتيجية (تغيير النظام) الأمريكيّة-الإسرائيلية”.
إستراتيجية (سي آي إيه–موساد): سلسلة مفاجآتٍ مُعدّة مسبقًا لصدم إيران وإرباكها
وأوضح: “قامت استراتيجية (سي آي إيه–موساد) على سلسلةٍ من المفاجآت المُعدّة مسبقًا، بهدف صدم إيران وإرباكها. وقد نجحت المفاجأة في البداية خلال هجوم حزيران الأمريكيّ- الإسرائيليّ المباغت على إيران، واستند عنصر (الصدمة) إلى شبكةٍ من العملاء السريين الذين زرعهم (الموساد) داخل إيران على مدى زمنيٍّ طويلٍ. وتمكّنت هذه الفرق الصغيرة من إلحاق أضرارٍ كبيرةٍ بالدفاعات الجويّة الإيرانيّة قصيرة المدى، باستخدام طائراتٍ مسيّرةٍ صغيرة مُهرَّبة وصواريخ (سبايك) المضادّة للدروع.”
ورأى أنّه “كان المقصود من هذا التخريب الداخليّ أنْ يكون تمهيدًا لتحدٍّ إسرائيليٍّ شاملٍ لمظلة الدفاع الجوي الإيرانيّة. وبالنسبة للحرس الثوريّ الإيرانيّ، بدا الهجوم كأنّه أتى من العدم، فخلق صدمةً وأجبر الدفاعات الجويّة على التحوّل إلى وضعيةٍ وقائيّةٍ إلى أنْ تتضح مصادر الهجوم. لذلك، أُمرت أنظمة الرادار المتنقلة بالانسحاب إلى شبكة الأنفاق الواسعة في إيران حفاظًا على سلامتها.”
وتابع: “أتاح هذا التخريب الأوليّ لإسرائيل الاشتباك مع منظومة الدفاع الجويّ الإيرانيّة المتكاملة، التي كانت، وهي في وضعيةٍ وقائيّةٍ، تعمل بطاقةٍ أقل. عندها دخلت إسرائيل الصراع باستخدام صواريخ بالستية–هوائية أُطلقت من منصات بعيدة خارج الأجواء الإيرانيّة”.
وأضاف:” كحلٍّ عاجلٍ، جرى تعطيل اتصال الإنترنت الخاص بشبكة الهواتف المحمولة في إيران، لقطع الصلة بالمشغّلين الخفيين الذين كانوا يزوّدون منصات إطلاق المسيّرات المحلية ببيانات الاستهداف عبر شبكة الهاتف الإيرانيّة”.
إسقاط النظام في طهران لتدمير (بيتٍ من ورقٍ) للدولة الإيرانيّة فشل
وشدّدّ على أنّ “هجوم حزيران، الذي بُنيَ على فرضية إسقاط (بيتٍ من ورقٍ) للدولة الإيرانيّة، فشل، لكنّه قاد لاحقًا إلى (حرب الـ 12 يومًا)، التي فشلت هي الأخرى. واضطرت إسرائيل إلى مطالبة ترامب بالتفاوض على وقفٍ لإطلاق النار بعد أربعة أيامٍ من الضربات الصاروخيّة الإيرانيّة المتعددة”.
ولفت إلى أنّ “المرحلة التالية من مشروع (تغيير النظام) الأمريكيّ–الإسرائيليّ اتخذت مخططًا مختلفًا تمامًا، متجذّرًا في (دليل لعبٍ) قديمٍ يهدف إلى حشد الجموع وتأجيج العنف المفرط”.
ترامب ونتنياهو حاولا القضاء على العملة الإيرانيّة
وقال:” بدأت هذه المرحلة في 28 كانون الأول (ديسمبر) 2025، وتزامنت مع لقاء نتنياهو بترامب في (مار-أ-لاغو). وأدّت عملية بيعٍ على المكشوف للعملة الإيرانيّة (يرجّح أنها نُسِّقت من دبي) إلى انهيار قيمة الريال بنسبة 30–40 بالمائة”.
وأشار إلى أنّ “المفاجأة في هذا الفصل من دليل (تغيير النظام) تمثّلت في إدخال مشاغبين محترفين إلى مواقع يحدّدها مشغّلوهم الخارجيون. كانت الآلية تقوم على تجمّع مسلحين في منطقةٍ حضريّةٍ يرتادها الناس، غالبًا في مدينةٍ صغيرةٍ، اختيار عابر سبيلٍ عشوائيٍّ، ثم ينهال رجال المجموعة عليه ضربًا مبرحًا، بينما تقوم النساء بالتصوير والصراخ في الجموع مطالبات زملاءهن (اقتلْه؛ أحرِقْه)”.
قطع اتصالات (ستارلينك) قلب المعادلة وحسمها
وجزم قائلاً: “التحوّل الحاسم كان في قطع اتصالات (ستارلينك) عن نحو 40 ألف محطة أقمارٍ صناعيّةٍ جرى تهريبها إلى إيران، وكانت أجهزة الاستخبارات الغربيّة تعتقد أنّ (ستارلينك) غيرُ قابلٍ للتشويش، ومن هنا موقعه المحوري في (صندوق أدوات) تغيير النظام.”
وأكّد أنّ “قطع (ستارلينك) قلب المعادلة، اختفت أعمال الشغب، وتعافت الدولة. لم تقع أيّ انشقاقاتٍ في الجيش أو الحرس الثوريّ أو قوات التعبئة، الدولة ما زالت متماسكة ودفاعاتها تعزّزت، وكان التدخّل المروَّج له يقوم على سردية أنّ (النظام يذبح الشعب) وسط (أنهارٍ من الدم)، وهذا لم يحدث، بل خرجت تظاهرات حاشدة دعمًا للجمهورية.”
المُشاغبون استخدموا العنف المُفرِط بتوجيهٍ من مخابراتٍ غربيّةٍ
ونبّه أليستر أنّ “العنف المُفرِط الذي استخدمه المشاغبون ضدّ الشرطة وقوى الأمن الإيرانيّة، وإحراق البنوك والحافلات والمكتبات ونهب المساجد، صُمّم على الأرجح من قِبل أجهزة استخباراتٍ غربيّةٍ لإظهار دولةٍ متداعيةٍ، متحللةٍ، تقتل شعبها في احتضارها.”
“وربّما”، أضاف، “بالتنسيق مع إسرائيل، جرى تقديم ذلك لترامب بوصفه المدخل “المثاليّ” لسيناريو على طريقة فنزويلا: “نذهب إلى قطع الرأس، دخول-انفجار-خروج، وبعد ضربة 12 حزيران (يونيو) 2025 واختطاف مادورو، باتت طهران على درايةٍ تامّةٍ بهوس واشنطن بقطع الرؤوس”.
واختتم: “ربّما يكتفي ترامب بـ (فوزٍ) أصغر: (لدينا عصا كبيرة، لا أحد يعرف إنْ كنت سأستخدمها. نحن نُخيف الجميع)”.