إيهاب مقبل
في مشهد يعكس استمرار التوتر في العراق، عادت المروحيات الهجومية الأمريكية من طراز AH-64 أباتشي لتتصدر العمليات العسكرية، مستهدفة جماعات مسلحة عراقية، أبرزها “كتائب حزب الله”. وتأتي هذه العمليات في سياق حضور عسكري مستمر لأمريكا الشمالية داخل العراق، وهو حضور يثير جدلًا واسعًا حول مشروعيته وتأثيره على سيادة البلاد.
تصريحات أمريكية تعكس منطق القوة
في هذا السياق، صرّح دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، بأن المروحيات الأمريكية تستهدف الجماعات المسلحة “للتأكد من أننا نقمع أي تهديد في العراق ضد القوات الأمريكية أو المصالح الأمريكية”.
وفي تصريح آخر، قال مسؤول في القيادة المركزية الأمريكية إن الهجمات التي تنفذها الفصائل العراقية ضد القوات الأمريكية لم تتسبب في “أي إصابات كبيرة”، وإنها “لم تؤثر” على المهمة العسكرية الأمريكية المرتبطة بإيران.
ورغم محاولة التقليل من تأثير هذه العمليات، فإن استمرارها يعكس قدرة هذه الفصائل على فرض معادلة ردع ميدانية.
انسحاب الناتو الحربي: مؤشر على تغير موازين القوى
بالتوازي مع هذا التصعيد، شهدت الساحة العراقية تطورًا لافتًا تمثل في انسحاب حلف الناتو الحربي من مهمته داخل العراق، حيث تم سحب قواته في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.
هذا الانسحاب يعكس حجم الضغوط الأمنية المتزايدة، ويُفهم لدى كثيرين على أنه تراجع في الحضور العسكري الغربي، ما يعزز سردية القوى التي ترى أن الضغط الميداني بدأ يؤثر فعليًا على الوجود الأجنبي.
كتائب حزب الله: بين المقاومة والرواية الأمريكية
تُصنّف واشنطن كتائب حزب الله كجماعة معادية، لكن في المقابل، ينظر إليها أنصارها كجزء من محور إقليمي يسعى لإنهاء الوجود العسكري الأجنبي في العراق.
وبالنسبة لهؤلاء، فإن استمرار العمليات ضد القواعد الأمريكية، بالتوازي مع انسحاب قوات أجنبية مثل الناتو، يُعد دليلًا على فاعلية هذا النهج.
الأباتشي: تفوق تقني وحدود القوة
رغم التفوق العسكري الواضح الذي تمثله مروحيات AH-64 أباتشي، فإن اختيار هذا النوع من السلاح لم يكن عشوائيًا، بل يعكس طبيعة المعركة وحدودها. فهذه المروحيات تُستخدم أساسًا لقدرتها العالية على تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف محددة مثل المركبات أو مواقع إطلاق الصواريخ، باستخدام صواريخ موجهة مثل “هيلفاير”.
كما توفر الأباتشي ما يُعرف بالدعم الجوي القريب، حيث يمكن استدعاؤها بسرعة لحماية القوات على الأرض والتعامل مع تهديدات مفاجئة، وهو ما يجعلها أداة مرنة في العمليات المحدودة. وتزداد فعاليتها بفضل قدرتها على العمل ليلًا ونهارًا باستخدام أنظمة الرؤية الليلية والاستشعار الحراري، ما يمنحها تفوقًا في تعقب الأهداف حتى في أصعب الظروف.
إضافة إلى ذلك، تستطيع هذه المروحيات التحليق على ارتفاع منخفض والبقاء في منطقة العمليات لفترة أطول مقارنة بالطائرات المقاتلة، ما يسمح بمتابعة دقيقة للأهداف المتحركة. وفي الوقت نفسه، يُنظر إلى استخدامها على أنه أقل تصعيدًا من القصف الجوي الواسع، إذ يوجه رسالة بضربات محدودة بدل الانخراط في حرب شاملة.
ومع ذلك، فإن هذا التفوق التقني يواجه تحديًا أمام تكتيكات فصائل المقاومة العراقية، التي تعتمد على الحركة السريعة والاختباء في بيئات معقدة، ما يجعل الصراع غير متكافئ لكنه مستمر دون حسم.
السيادة العراقية في قلب الصراع
تثير هذه التطورات تساؤلات جدية حول سيادة العراق، إذ إن استمرار العمليات العسكرية الأجنبية، مقابل انسحاب أطراف أخرى، يكشف عن تناقض في شكل الوجود الغربي داخل البلاد.
وبينما تنسحب بعض القوى، تستمر أخرى في تنفيذ عمليات عسكرية، ما يعمّق الجدل حول مستقبل هذا الوجود.
خاتمة: مرحلة جديدة من الصراع
في النهاية، تعكس مطاردة الأباتشي الأمريكية لمقاتلي كتائب حزب الله، بالتزامن مع انسحاب الناتو الحربي، تحولات واضحة في المشهد العراقي.
وبين تصعيد عسكري من جهة، وتراجع حضور غربي من جهة أخرى، يبدو أن العراق يدخل مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة موازين القوى على الأرض، في صراع لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات.
المراجع
حلف الناتو يسحب آخر مدربيه العسكريين من العراق، صحيفة نيورك تايمز، 20 مارس آذار 2026
https://www.nytimes.com/2026/03/20/worl ... -iraq.html
القوات الأمريكية تخوض معارك ضد الجماعات المسلحة المدعومة من إيران في العراق بالإضافة إلى إيران نفسها، صحيفة واشنطن إكزامينر، 20 مارس آذار 2026