تغيير حجم الخط     

الحرب على إيران توقفت ولكن لم تختف عقلية العصر الحجري أو نهج رعاة البقر

مشاركة » الخميس إبريل 09, 2026 12:39 pm

كتب المعلق في مجلة “ذي نيويوركر” إيشان ثارور، قائلا إن التوصل إلى وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لا يعني نهاية “عقلية” العصر الحجري.

وأضاف أن الهدنة المؤقتة لن تمحو الفوضى التي أحدثها البيت الأبيض ولا يمكن فهم ما حدث بالكامل.

وأشار لما كتبه السفير الإيراني في جنوب أفريقيا في منشور على منصة إكس، ردا على تهديدات وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث التي ردد فيها ما قاله سيده دونالد ترامب بأنه سيعيد إيران إلى العصر الحجري قائلا: “في الوقت الذي كنتم فيه لا تزالون في الكهوف تبحثون عن النار، كنا ننقش حقوق الإنسان على أسطوانة كورش، قد صمدنا في وجه عاصفة الإسكندر والغزوات المغولية وبقينا صامدين، لأن إيران ليست مجرد دولة، بل هي حضارة”.

ما نشره ترامب كان خطابا صادما حتى بمعايير الرئيس نفسه، الذي باتت خطاباته العدائية مجرد ضجيج في الخلفية.

ومرت الأيام واستمر سقوط القنابل، بينما ظلت ناقلات النفط راسية على جانبي مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران فعليا ردا على الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة. ثم وجّه الرئيس دونالد ترامب إنذار كارثيا، كان تعبيرا عن شعوره بالإحباط من التداعيات الاقتصادية المتتالية للحصار الإيراني ورفض النظام الاستسلام وتزايد القلق بين مؤيديه، وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي: “ستموت حضارة بأكملها الليلة، ولن تعود أبدا. لا أريد أن يحدث ذلك، لكنه على الأرجح سيحدث”.

وعلق ثارور أن ما نشره ترامب كان خطابا صادما حتى بمعايير الرئيس نفسه، الذي باتت خطاباته العدائية مجرد ضجيج في الخلفية. واستشهد بعض الديمقراطيين بالمنشور كدليل على تدهور الحالة العقلية للرئيس وعدم قدرته على البقاء في منصبه.

وقال مندوب إيران لدى الأمم المتحدة إن ترامب كان يبث “نيته ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”. وقال أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، إن استهداف البنية التحتية المدنية، وخاصة منشآت الطاقة، “غير قانوني وغير مقبول”، وأضاف: “ينطبق هذا على حرب روسيا في أوكرانيا وينطبق في كل مكان”. وقال البابا ليو الرابع عشر للصحافيين: “هناك بالتأكيد قضايا تتعلق بالقانون الدولي هنا، ولكن الأهم من ذلك، أنها مسألة أخلاقية تتعلق بمصلحة الشعب ككل، بكامل كيانه”.

ويقول ثارور إن الولايات المتحدة وإسرائيل أظهرتا احتراما قليلا للقانون الدولي أو غيره من الالتزامات المماثلة، ذلك أن إدارة ترامب أنها قادرة على تأمين مصالح الولايات المتحدة التي تراها مناسبة بأي طريقة تراها ملائمة ففي وقت سابق من هذا العام، قال ترامب لصحيفة “نيويورك تايمز” بأنه لا يتقيد إلا بـ”أخلاقه الشخصية”.

وإذا لم يقدم هذا الكلام توضيحا كافيا، فقد قدم ستيفن ميلر، مستشار ترامب المقرب، تفسيره الخاص للمبادئ التوجيهية للإدارة. قال ميلر لشبكة “سي إن إن” في كانون الثاني/ يناير: “نحن نعيش في عالم يمكنك فيه التحدث كما تشاء عن المجاملات الدولية وكل شيء آخر، لكننا نعيش في عالم تحكمه القوة، ويحكمه الإكراه، وتهيمن عليه السلطة. هذه هي القوانين الصلبة للعالم منذ فجر التاريخ”.

ويقول ثارور إن هذا التبني للتفكير البدائي في واشنطن أو ما يمكن تسميته بعقلية العصر الحجري، قد يلقى قبولا لدى القاعدة القومية لترامب، لكنه لم يسهم كثيرا في تحقيق أهدافه في الشرق الأوسط.

وبحلول مساء الثلاثاء، تحولت ثورته إلى ارتياح على ما يبدو، لإيجاد مخرج.

وبعد أن توسطت مجموعة من الوسطاء الإقليميين، بقيادة باكستان، في هدنة مؤقتة، أعلن ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنه سيوقف قصف إيران ومهاجمتها لمدة أسبوعين، شريطة أن يسمح النظام بإعادة فتح المضيق.

وزعم أن الولايات المتحدة قد حققت جميع الأهداف العسكرية وتجاوزتها، وأنها على وشك إبرام سلام طويل الأمد مع إيران. وقال رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، إنه تمت دعوة وفدين أمريكي وإيراني إلى إسلام آباد لإجراء محادثات محتملة في وقت لاحق من هذا الأسبوع. وحتى صباح الأربعاء، كانت الحضارة الإيرانية لا تزال قائمة.

وهناك أسباب كثيرة تدعو للتشكيك في المفاوضات المقبلة. فقد توقفت جولات المحادثات السابقة بين المحاورين الأمريكيين والإيرانيين بسبب القصف الأمريكي والإسرائيلي على أهداف إيرانية، واتسمت بنقص حاد في الثقة والتفاهم بين الطرفين. ولا تزال هذه الفجوات قائمة. والبيانات الصادرة من واشنطن وطهران تظهر هذا.

ويرى ثارور أن الرئيس سيجد صعوبة بالغة في إقناع أي شخص، باستثناء أشد مؤيديه حماسة، بأن ما حدث خلال الأسابيع الستة الماضية يعد نجاحا أمريكيا.

صحيح أن الجيش الإيراني قد يكون منهكا، فقد استنفد مخزونه من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الهجومية وتم القضاء على قيادات النظام العليا، إلا أن الجمهورية الإسلامية ما زالت قائمة، وليست كما ادعى ترامب سابقا، على وشك الانهيار.

ويرى بعض المحللين أن النظام الإيراني سيخرج من المواجهة في موقع قوة أكبر.

إذا صمدت شروط وقف إطلاق النار الحالية، فستتمكن إيران من إعادة بناء قدراتها في غضون عام

وكتب أندرياس كريغ المحاضر البارز في كلية كينغز كوليدج لندن، في موقع إكس: “إذا صمدت شروط وقف إطلاق النار الحالية، فستتمكن إيران من إعادة بناء قدراتها في غضون عام”.

وأشار كريغ إلى النفط الإيراني الخاضع للعقوبات والذي سمحت إدارة ترامب بدخوله السوق وإلى إعادة تنظيم النظام الداخلي بعد اغتيال الولايات المتحدة وإسرائيل للمرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي: “سيكون لدى إيران دخل فائض أكبر سيوظف في بناء ديكتاتورية عسكرية أقوى”. وتابع قائلا: “قد يكون من هم في السلطة أقل ميلا إلى الحكم الديني، وأقل براغماتية وأكثر عدوانية. وقد يعود سباق صنع القنبلة النووية (بمساعدة خارجية) بعد أن تصبح الفتاوى السابقة لاغية عقب هذه التجربة”.

وتحدث الكاتب عن نفقات الحرب الأمريكية والإسرائيلية خلال شهر والتي تعد بالمليارات وما تم استخدامه من الذخائر الحيوية وتداعياتها على الرأي العام وارتكاب جرائم حرب محتملة. فقد أسفرت الضربات الأمريكية الإسرائيلية عن مقتل آلاف الأشخاص، وأدت إلى هجمات انتقامية من إيران على أهداف في أنحاء الشرق الأوسط.

ولطالما كانت “الحضارة” الإيرانية هدفا لهذه الهجمات، إذ يقول مسؤولون إن نحو ثلاثين جامعة إيرانية استهدفت، بالإضافة إلى معهد باستور في طهران، وهو مؤسسة عريقة عمرها قرن من الزمان متخصصة في دراسة الأمراض المعدية، كما تضررت مواقع التراث العالمي لليونسكو في أصفهان، العاصمة الإمبراطورية الصفوية السابقة وجوهرة العمارة الفارسية الإسلامية، جراء الغارات الجوية.

ويقول ثارور إن إعادة فتح المضيق الذي لم يغلق أبدا، ربما يكون نصرا، لكنه في الحقيقة عودة إلى الوضع السابق للحرب، مع إدراك إيران لقدرتها على السيطرة على المضيق. وهذه إحدى النتائج المتوقعة لحرب قرر ترامب إشعالها، وسرعان ما خرجت عن كل توقعات البيت الأبيض ودفعت ترامب إلى اللجوء لتهديدات يائسة بتدمير إيران.

ويشكك البعض في معسكر ترامب الآن في جدوى تجميل هذا الوضع، وقد أعرب أورين كاس، كبير الاقتصاديين في “أمريكان كومباس”، وهو مركز أبحاث يميني، عن أسفه على وسائل التواصل الاجتماعي قائلا: “هذه الحرب تضعف القوة الأمريكية بشكل فعلي وتزيد من الخطر على المواطنين الأمريكيين وتعرقل جهود الرئيس المهمة في معالجة تحدياتنا الداخلية العديدة”، “لقد أغلق ذلك مضيقا كان مفتوحا في السابق وعزز الحافز لدى الدول الأخرى للسعي وراء الأسلحة النووية، وفي هذا الخطاب الأخير جعل استخدامها أكثر منطقية”.

وأشار الكاتب إلى استطلاع رأي أجرته مؤسسة “بيو” في الأسبوع الأخير من شهر آذار/مارس كشف أن نحو ثلثي الأمريكيين لا يثقون بقدرة ترامب على اتخاذ قرارات سياسية سليمة بشأن إيران.

أما خارج الولايات المتحدة، فالوضع أكثر قتامة، فقد أدت حرب ترامب إلى سلسلة من الأزمات في أنحاء آسيا، التي تعتمد على واردات الطاقة من الخليج. وفي جميع أنحاء جنوب آسيا، أجبر نقص غاز الطهي في المدن الفنادق والمطاعم على الإغلاق. وارتفع التضخم بشكل حاد وانهارت العملات وقلصت شركات الطيران عملياتها في فيتنام. ومع توقف تدفق النفط من الخليج، أعلنت الفلبين حالة طوارئ وطنية في مجال الطاقة في أواخر آذار/مارس. وكتبت منى علي، أستاذة الاقتصاد في جامعة ولاية نيويورك: “كشف مضيق هرمز عن هشاشة نظام الوقود الأحفوري وحدود القوة الأمريكية. ويبدو أن واشنطن لم تعد قادرة على كسب الحروب التي تشنها أو إدارة التداعيات الاقتصادية لتهورها”.

وبينما تسعى دول المنطقة جاهدة نحو مستقبل أقل عرضة لهذا النوع من الصدمات النفطية، ستسعى إلى توسيع استثماراتها في الطاقة المتجددة. وسيستغلون سلاسل الإمداد التي تهيمن عليها الصين بالفعل، والتي نما نفوذها وسلطتها بهدوء خلال الحرب.

استطلاع رأي أجرته مؤسسة “بيو” في الأسبوع الأخير من شهر آذار/مارس، كشف أن نحو ثلثي الأمريكيين لا يثقون بقدرة ترامب على اتخاذ قرارات سياسية سليمة بشأن إيران.

وكتب محمد سليمان، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط: “ستنتظر الصين حتى ينهك خصمها نفسه، لتخرج، دون إطلاق رصاصة واحدة، المستفيد الاستراتيجي الرئيسي من حرب لم تسهم في إشعالها”.

وإذا كان ترامب أو حلفاؤه على دراية بهذا الواقع الجيوسياسي الناشئ، فإنهم لم يظهروا أي علامات على ذلك. بدلا من ذلك، لا يستطيع الرئيس سوى التباهي بانتصاره المتغطرس والتفاخر بتفوق الولايات المتحدة العسكري ونجاحها، بغض النظر عن الحقائق المتناقضة على أرض الواقع أو الصورة الاستراتيجية الأكثر غموضا.

ووصف ستيفن والت، الباحث في العلاقات الدولية بكلية كينيدي في جامعة هارفارد، استراتيجية ترامب في السياسة الخارجية بأنها “هيمنة استغلالية”، موضحًا في مقال سابق نشرته مجلة “فورين أفيرز” أن “هدفها الرئيسي هو استغلال موقع واشنطن المتميز لانتزاع تنازلات وجزية وإظهار الخضوع من الحلفاء والخصوم على حد سواء، سعيا وراء مكاسب قصيرة الأجل في عالم تعتبره واشنطن “لعبة محصلتها صفر”.

وينبغي أن تظهر الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط زيف هذا النهج، الذي كما قال والت، “سيولد استياء عالميا متزايدا” و”يخلق فرصا مغرية لأبرز خصوم واشنطن”.

وفي مقابلة مع صحيفة “وول ستريت جورنال”، قال مالكولم تورنبول، رئيس الوزراء الأسترالي السابق: “لا يُعجب الناس بنهج رعاة البقر في الجغرافيا السياسية إلا عندما ينجح”.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron