تغيير حجم الخط     

العراق يبحث عن أمواله المنهوبة في دول العالم

مشاركة » الأحد يونيو 07, 2026 4:40 am

2.jpg
 

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: فرضت أزمة خنق الاقتصاد العراقي في أعقاب قيام إيران بغلق مضيق هرمز على الحكومة العراقية، اعباء مالية ثقيلة بعد توقف ايرادات تصدير النفط عبر الخليج العربي التي تشكل نحو 90 في المئة من ميزانية البلد، ما دفع حكومة بغداد إلى البحث عن موارد مالية جديدة غير نفطية لتغطية العجز المالي، ومنها البحث عن الأموال العراقية المجمدة أو المهربة في دول العالم.
وتعد أموال العراق في الخارج من الموارد المالية الكبيرة التي تتوزع بين أرصدة بنوك وشركات وعقارات، يعود بعضها إلى النظام السابق، فيما تنتشر مليارات الدولارات على شكل أرصدة وعقارات في الخارج، التي قامت قوى سياسية وأحزاب حاكمة ومافيات الفساد، بتهريبها من العراق إلى الخارج بعد عام 2003.

ملف استرداد أموال العراق

ومن أجل زيادة موارد العراق غير النفطية، لتغطية العجز المالي الهائل، بعد الحرب على إيران، تسعى حكومة بغداد إلى تفعيل قطاعات مالية مختلفة ومنها «صندوق استرداد أموال العراق» للبحث عن أموال العراق المنتشرة في دول العالم واستعادتها لدعم الاقتصاد العراقي. وخلال الشهر الحالي، أعلن صندوق استرداد أموال العراق (هيئة حكومية)، عن اعتماد آليات قانونية ودبلوماسية لاستعادة الأموال المهربة إلى الخارج، مؤكدا استرداد نحو 379 مليون دولار حتى الآن، مع استمرار الجهود لإبرام اتفاقيات دولية لتعزيز عمليات التحري والاسترداد.
وقال رئيس مجلس إدارة الصندوق محمد علي اللامي، في تصريح صحافي تابعته «القدس العربي»، إن «الصندوق يعتمد مسارين في عملية الاسترداد، الأول مباشر عبر التعاون مع شركات دولية ومكاتب محاماة متخصصة، والثاني غير مباشر من خلال وزارة الخارجية والسفارات العراقية».
وأضاف أن «الأموال المستردة تودع في حسابات وزارة المالية وفق قانون صندوق استرداد أموال العراق»، مبيناً أن إجمالي المبالغ المستردة بلغ نحو 379 مليون دولار، مشيرا إلى وجود أموال عراقية مجمدة في عدة دول، بينها 193 مليون دولار في تركيا، و700 مليون دولار في الأردن، و1.45 مليار دولار في سوريا.
وأكد اللامي أن «متابعة هذه القضايا تتم داخلياً عبر ملاك الصندوق وبالتعاون مع الجهات المختصة، وخارجياً عبر الشركات الدولية ومكاتب المحاماة المتخصصة»، منوها أن «الصندوق نظم 39 طلب مساعدة قضائية لملاحقة المتورطين بتهريب الأموالـ«.
وفي اذار/مارس الماضي، أعلن صندوق استرداد أموال العراق عن نجاحه في استرداد أكثر من تسعة ملايين دولار من الأموال العراقية التي كانت مجمدة في إيطاليا، بعد تحركاته القانونية والدبلوماسية في ملف استرداد الأموال.
وقال رئيس مجلس إدارة الصندوق الدكتور محمد علي مفتن، عن عملية الاسترداد، إن الصندوق تلقى معلومات عن وجود حسابات تعود للحكومة العراقية مُودعة في بنك «يوني كرديت» في روما، ناتجة عن تعاقدات أبرمتها وزارات عراقية مع شركات إيطالية قبل العام 2003، وكانت هذه الحسابات خاضعة لإجراءات تقاضٍ منذ عام 1999.
كما أعلن صندوق استرداد أموال العراق عن استرداد عقار مسجل باسم الحكومة العراقية في فرنسا، وتسليمه إلى القنصلية العراقية في مدينة كان.
وأوضح رئيس مجلس إدارة الصندوق، ان العقار يقع في مدينة غراس، وهو عبارة عن قطعة أرض تبلغ مساحتها 17.500 متر مربع، تضم دارا سكنية رئاسية مكونةً من ثلاثة طوابق، إلى جانب عدد من الملحقات.
وكان رئيس مجلس إدارة الصندوق السابق القاضي حيدر حنون أشار إلى أن الصندوق، نجح في استرداد مبلغٍ قدره 20.437.157 مليون دولار أمريكي من الأموال التي كانت مُودعة في حساب أمانات سفارة العراق في الكويت في البنك الوطني الكويتي، بعد إعادة تفعيل الحساب وتمويل الأرصدة.
كما قام رئيس مجلس إدارة الصندوق، عام 2025 بزيارة للمملكة المغربية، عقد خلالها اجتماعات تمحورت حول تعزيز التعاون مع صندوق استرداد أموال العراق وتقديم الدعم والإسناد في المسائل والمجالات ذات الصلة المشتركة لإستعادة الأموال والأصول العراقية المهربة. وفي السياق ذاته، أعلن ايمن داود سلمان نائب رئيس مجلس إدارة الصندوق انه في إطار الجهود الحكومية حقق صندوق استرداد أموال العراق نجاحا في عملية استرداد الأسهم المملوكة للدولة في شركات واجهية كانت تستخدم لإدارة الأنشطة خارج البلاد للنظام السابق، مشيرا إلى استرداد نسب تتراوح بين 10 – 50 في المئة من تلك الشركات التي تتخذ من الأردن ومصر والإمارات ولبنان مقرات لها.
وفي إطار التعاون بين العراق ودول العالم لاسترداد الأموال العراقية فيها، بحثت هيئة النزاهة الاتحادية وهيئة الرقابة ومكافحة الفساد في المملكة العربية السعودية، آليات تعزيز التعاون في مجال استرداد الأموال وجرائم الفساد.
وذكر بيان للهيئة، انها أجرت حوارات مشتركةً في أيار/مايو الحالي، مع هيئة الرقابة ومكافحة الفساد في المملكة العربيَّة السعوديَّة؛ لبحث آليات تعزيز التعاون في مجال استرداد الأموال المُتحصلة من جرائم الفساد، وذلك في إطار مذكرة التفاهم المُبرمة بين الجانبين، التي تعكس تنامي العلاقات العراقية – السعودية وتطوّر التعاون المُشترك في مُكافحة الفساد؛ لمُواجهة هذه الظاهرة العابرة للحدود.

الفساد يغزو شركات الخارج

وفي فترات سابقة، أعلن بعض السياسيين عن ملفات فساد كبيرة في قيام بعض السياسيين والمسؤولين، باستغلال شركات حكومية عراقية في الخارج لصالحهم ولصالح أحزابهم، من دون علم حكومة بغداد.
فقد طالبت النائبة عالية نصيف، حكومة بغداد وديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة بالتحقيق في قضية مزرعة الشاي التي يمتلكها العراق في فيتنام، مشيرة إلى أن ما يحصل فيها سرقة مفضوحة.
وقالت نصيف في بيان، إنه «كنا قد طالبنا منذ عدة سنوات بفتح تحقيق حول مزرعة الشاي الموجودة في أراضي مستأجرة من قبل العراق في فيتنام والممتدة بحسب المعلومات على مساحة شاسعة، وأوضحنا في حينها أن الفساد وصل إلى درجة بيع البذرة التي تنمو في كل شجرة شاي في كل موسم بمئات الدولارات، وطالبنا بالكشف عن كيفية إدارة هذه المزرعة، وقد نفت الشركات التابعة لوزارة التجارة في عهد الوزير سلمان الجميلي وجود المزرعة».
وأضافت نصيف أنه «لدى ملاحقة المعلومة من بعض الشرفاء في وزارتي الخارجية والتجارة أكدوا صحة المعلومة وأن جواب الشركات التابعة لوزارة التجارة هو للتغطية على فسادها»، حسب قولها.
وأوضحت أن «هذه المزرعة تركت بعد 2003 لثلاث سنوات، ثم استلمتها وزارة التجارة ومعها شريك يمتلك شركة تابعة لجهة سياسية، وباشروا بزراعة الشاي والتسويق للعراق لسد حاجة السوق، وتصدير الفائض للخارج، ثم تم الاتفاق مع شركات عربية والأرباح مناصفة لتغطية حصة وزارة التجارة، ثم قامت الوزارة لاحقًا ببيع المحصول بالكامل مقابل أرباح شكلية غير حقيقية»، محذرة من أن «ما يحصل في هذه المزرعة هو سرقة مفضوحة».

عقبات استرداد الأموال المهربة

وعن العقبات التي تحول دون استعادة الأموال العراقية في الخارج، أكد الخبير القانوني والمالي أحمد التميمي، أن ملف استرداد الأموال المهربة يدار عبر منظومة متعددة المستويات، تبدأ من التتبع المالي داخل النظام المصرفي، مروراً بالإجراءات القضائية المحلية، وصولاً إلى مسارات التعاون الدولي لاسترداد الأصول المجمدة.
وقال التميمي، في تصريحات تابعتها» القدس العربي»، إن «أحد أبرز التحديات يتمثل في حجم الثغرات التي سمحت بخروج تلك الأموال، والتي تعود في جزء كبير منها إلى ضعف أنظمة الرقابة المالية في مراحل سابقة، إضافة إلى عدم كفاية أدوات الإفصاح المالي، واتساع استخدام القنوات غير النظامية لتحويل الأموال، وهو ما خلق بيئة معقدة لتتبع مسار الأموال لاحقا».
وأوضح أن «التنسيق الأمني والدولي قائم من حيث المبدأ عبر الإنتربول وشبكات التعاون القضائي وتبادل المعلومات المالية، إلا أن فعاليته العملية تبقى متفاوتة، إذ تتأثر بسرعة الإجراءات القضائية في الدول المعنية وبطبيعة القوانين الداخلية المتعلقة بالسرية المصرفية وحماية البيانات».
وحدد الخبير أبرز العقبات، بانها «تتمثل في صعوبة إثبات الطبيعة غير المشروعة للأموال وفق المعايير الدولية، وطول أمد التقاضي عبر أكثر من ولاية قضائية، فضلاً عن التعقيدات المرتبطة بتجميد الأصول وإدارتها أثناء النزاعات القانونية».
وتابع أن «منع تكرار تلك العمليات يعتمد على بناء منظومة رقابة مالية صارمة، وتعزيز الشفافية في الإقرار عن الذمم والممتلكات، وتحديث التشريعات الخاصة بمكافحة غسل الأموال، إلى جانب تفعيل التعاون الدولي بشكل أكثر إلزامية وفعالية، بما يحد من قدرة رؤوس الأموال غير المشروعة على مغادرة النظام المالي المحلي مستقبلا».
ويرى المطلعون على خفايا الاقتصاد العراقي، أن في العراق توجد موارد مالية هائلة يمكن ان تعوض عن بعض موارد تصدير النفط، في حالة إبعادها عن مافيات الفساد وسوء الإدارة والاهمال. والأمثلة على ذلك، كثيرة وأبرزها الأموال العراقية في الخارج وواردات الضرائب المختلفة والرسوم الكمركية ورسوم الخدمات الحكومية المختلفة التي تقدر بالمليارات، إضافة إلى قيمة بيع المشتقات النفطية داخل العراق وغيرها الكثير.
وفي الوقت ذاته، لا يختلف الخبراء الماليون والمراقبون، على وجود ثغرة كبيرة في مساعي استرداد أموال العراق الموجودة في دول العالم، حيث يقتصر البحث على الأموال التي أودعها النظام السابق قبل 2003 في البنوك العالمية والعقارات العائدة للعراق فقط، ولكنها تتجاهل المطالبات باسترداد مئات مليارات الدولارات التي قامت قوى سياسية وأحزاب حاكمة ومافيات الفساد، بنهبها من العراق وإيداعها في بنوك أجنبية أو شراء عقارات أو فتح شركات في دول العالم، وسط تجاهل الحكومة لهذا النهب لكون تلك الجهات متنفذة ولا يمكن محاسبتها.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات