باريس- “القدس العربي”: قال كاتب الرأي في صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، رينو جيرار، إن اتفاق مكة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، يمثل منعطفًا رئيسيًا في بنية الأمن بالشرق الأوسط، في وقت كانت فيه حماية السعودية الخارجية تعتمد حصريًا على الولايات المتحدة منذ عام 1945.
ينص هذه الاتفاقي، المعروف باسم اتفاقية الدفاع المشترك في مكة (MJDA)، على بند للدفاع المشترك بين الدول الإسلامية السنية الثلاث، وقد شبّهه وزير الخارجية التركي نفسه بالمادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو: إن أي عدوان خارجي على إحدى الدول الثلاث سيُعتبر عدوانًا عليها جميعًا. ولم يُنشر النص الكامل للاتفاق بعد، لكن من المعروف أنه يهدف أيضًا إلى تعزيز التعاون بين الدول الثلاث في مجال الصناعات الدفاعية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتدريبات العسكرية المشتركة، وتبادل الأفراد العسكريين.
والمستفيد الأول من الاتفاق هو، بطبيعة الحال، المملكة العربية السعودية، التي تتوزع مواردها الهائلة من النفط والغاز على مساحة واسعة من الأراضي، الأمر الذي يجعلها شديدة التعرض للخطر.
تمتلك تركيا جيشًا كبيرًا، كما طورت صناعة دفاعية مهمة، ولا سيما في مجال الطائرات المسيّرة. وبفضل طائرات “بيرقدار” المسيّرة، تمكنت تركيا من مساعدة أذربيجان على الانتصار في حربها ضد أرمينيا في سبتمبر عام 2020.
أما باكستان فهي الدولة الإسلامية الوحيدة في العالم التي تمتلك السلاح النووي. وقد فجرت أول قنبلة نووية لها، في اختبار تحت الأرض، في صحراء بلوشستان في مايو 1998، بعد أسبوعين من إجراء الهند اختبارات نووية خاصة بها.
وكانت قد استفادت من مساعدة تقنية صينية سرية، وكذلك من تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم التي سرقها عبد القدير خان بين عامي 1972 و1974 من منشآت الفرع الهولندي لشركة “يورينكو”، وهي كونسورتيوم أوروبي لتخصيب اليورانيوم مخصص للأغراض المدنية.
لكن السعودية هي التي موّلت إلى حد كبير البرنامج النووي العسكري الباكستاني، في حين أن باكستان لم تنضم قط إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 1968.
وإذا امتلكت إيران السلاح النووي يومًا ما، فمن المؤكد أن السعودية ستسعى إلى امتلاكه بدورها، وستطلب من باكستان تزويدها به.
واعتبر رينو جيرار أن اتفاق مكة يمثل منعطفًا رئيسيًا في بنية الأمن في الشرق الأوسط. فمنذ عام 1945، كانت الحماية الخارجية للسعودية تعتمد بصورة حصرية على الولايات المتحدة الأمريكية، بموجب “اتفاق كوينسي”، الذي وقعه الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود في شهر فبراير عام 1945، ثم جرى تجديده بعد ستين عامًا من جانب الرئيس جورج دبليو بوش والملك عبد الله.
واليوم، تُظهر السعودية أنها لم تعد تثق ثقة كاملة في قدرة الأمريكيين على حمايتها، وأنها تعمل على تنويع تحالفاتها. وبالطبع، حرص الدبلوماسيون السعوديون على التأكيد على أن الاتفاق هو معاهدة دفاعية بحتة، لا تستهدف أي طرف، لا بصورة صريحة ولا ضمنية.
وهي بالتأكيد ليست معاهدة معادية للولايات المتحدة. فقد جرى التفاوض عليها بسرية، من دون إبلاغ إدارة ترامب، لكنها لا تستهدف أمريكا بأي شكل من الأشكال. فالدول الثلاث الموقعة عليها تعتزم الحفاظ على أفضل العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية مع واشنطن.
وهي أيضًا ليست معاهدة معادية لإسرائيل بصورة معلنة، رغم أن الدول الثلاث لم تستحسن إطلاقًا أن تكون إسرائيل، بعد قمة ترامب- نتنياهو في واشنطن في الـ11 فبراير الماضي، قد دفعت الولايات المتحدة إلى حرب تهدف إلى تغيير النظام في إيران.
وفي بداية العام الجاري، كان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد طلب صراحة من ترامب ألا يغرق المنطقة في الفوضى من خلال حرب أمريكية جديدة، وأن يواصل مفاوضاته النووية مع إيران.
أما تركيا، فقد نظر رئيسها بقدر محدود من الاستحسان إلى تصريحات شخصيات إسرائيلية متشددة، مثل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي وصفه علنًا بأنه عدو لإسرائيل، ولمّح إلى أنه ينبغي أن يكون “التالي على القائمة”، وذلك بعد اغتيال إسرائيل للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
ومضى رينو جيرار مُذكِّراً أن تركيا علقت في مايو عام 2024 جميع أشكال التجارة مع إسرائيل، بذريعة الوضع الإنساني في غزة، وأصبحت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين شبه مقطوعة. ولم يعد اليمين الإسرائيلي ينظر إلى تركيا باعتبارها مجرد شريك صعب، بل بات يعتبرها خصمًا استراتيجيًا محتملًا.
أما الدولتان الأخريان في اتفاق مكة للدفاع المشترك، فلم تعقد أي منهما علاقات دبلوماسية مع إسرائيل أصلًا.
وكانت السعودية قد أعادت علاقاتها مع إيران في مارس عام 2023، بوساطة صينية. لكن المملكة السنية، التي تقع احتياطياتها النفطية في منطقة تسكنها أقلية شيعية، تشعر بأنها مهددة بصورة بنيوية من جانب طهران.
ومع ذلك، فإن اتفاق مكة لا يصل إلى حد استهداف إيران ضمنيًا؛ حيث إن باكستان، وكذلك تركيا، التي تعيش في سلام مع بلاد فارس منذ عام 1639، تربطهما حاليًا علاقات جوار جيدة مع إيران.
وإذا نظرنا إلى النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، يتضح مدى تراجعه خلال ستة أشهر فقط، نتيجة القرار غير المدروس الذي اتخذه ترامب بالدخول في حرب جديدة تهدف إلى تغيير النظام. ففي يناير الماضي، كانت قدرة أمريكا على التأثير والردع ما تزال سليمة. وكان الإيرانيون يتفاوضون معها ويستعدون لتقديم تنازلات مهمة لها في الملف النووي. وكان مضيق هرمز مفتوحًا أمام الملاحة الدولية. كما أن معظم دول العالم الإسلامي، ومن بينها الدول الثلاث الموقعة على اتفاق مكة، كانت قد انضمت إلى “مجلس السلام” الذي أنشأه ترامب، ووافقت على خطته لإعادة السلام إلى قطاع غزة.
أما اليوم، فقد انقلب الوضع. فالإيرانيون لم يعودوا يتحدثون عن التخلي عن برنامجهم النووي. ومضيق هرمز مغلق. كما توقفت خطة غزة منذ أن أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بوضوح، في 8 أغسطس الجاري، أنه لن يسحب قواته من قطاع غزة ما دامت حماس لم تنزع أسلحتها بالكامل.
علاوة على ذلك، كرر بنيامين نتنياهو مؤخرًا أنه لن يقبل أبدًا بإقامة دولة فلسطينية في غزة أو الضفة، في حين أن خطة ترامب تنص على مسار يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية.
فهل ينبغي لأوروبا أن تفرح بالتراجع الاستراتيجي الأمريكي في الشرق الأوسط؟ يتساءل رينو جيرار، ويرد على سؤاله بالقول إنه بالتأكيد لا، معتبرا أن هذا التراجع يتعارض مع مصالح السلام وعدم الانتشار النووي، كما يتعارض مع المصالح الاقتصادية للأوروبيين.